الخميـس 24 جمـادى الاولـى 1429 هـ 29 مايو 2008 العدد 10775
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  







 

تاريخ بغداد يسترخي في ظلال مقهى الخفافين

جلس فيه شعراء كبار أمثال الرصافي والزهاوي وملا عبود الكرخي * بني منذ ما يقرب من ألف عام ملحقا بجامع قديم ورواده لم يغيروا طباعهم

مقهى الخفافين من أقدم مقاهي بغداد (أ.ف.ب)
لندن: معد فياض
يعد مقهى الخفافين واحدا من اقدم مقاهي بغداد، او العراق، على الاطلاق، وحسب الشيخ جلال الحنفي مؤرخ بغداد، فان مقهى الخفافين بني مع بناء المدرسة المستنصرية في عهد الخليفة العباسي المستنصر بالله عام 1233.

ونسب اسمه، الخفافين، الى صناع الجلود من الحرفيين الذين كانوا يصنعون (الخف) او الاحذية، اضافة الى صناعة سروج الخيل وبيوت السيوف وغيرها من الصناعات الجلدية اليدوية، حيث كانت دكاكين هؤلاء تحيط بالمدرسة المستنصرية، وكانت الى فترة قريبة تحتل ذات الامكنة.

يرتبط مقهى الخفافين بجامع الخفافين، الذي يعود تاريخه الى نفس تاريخ بناء المدرسة المستنصرية والمقهى، حيث تفضي بوابة تاريخية من المقهى الى الجامع مباشرة، ويعد المقهى وقفا من اوقاف الجامع التاريخي.

ويقول الحنفي ان «الحرفيين من الخفافين كانوا يؤدون صلاتهم في جامع الخفافين ثم يركنون الى الراحة ظهرا في المقهى».

وتظهر الصورة المنشورة، بوابة جامع الخفافين التاريخية، التي ما تزال تحمل زخارف هندسية ونباتية شبيهة بتلك الزخارف المنقوشة على آجر بناية المدرسة المستنصرية، التي لا تبعد عن المقهى سوى عشرات الامتار.

ندخل الى المقهى فتفاجئنا رائحة رطوبة مستقرة في جدرانه منذ مئات السنين، رطوبة مستمدة من نسيم نهر دجلة الذي يقع عليه المقهى، والغريب ان رواد المقهى يستمتعون بتكييف مناخي طبيعي، اذ لم توضع اية اجهزة تبريد، على الرغم من صيف بغداد الساخن الذي تصل درجة حرارته في شهر يوليو (تموز) حتى 50 درجة مئوية.

خلف البوابة الخشبية للمقهى هناك بوابة زجاجية حديثة، على يمينها يجلس صاحب المقهى وراء طاولة صغيرة حيث جارور يجمع فيه اجور الشاي والناركيلة (الارجيلة)، بينما اصطفت خلفه، على الجدار خراطيم مختلفة للنارجيلة، هذه خراطيم، او ما يطلق عليه شعبيا بـ«القامجي» وتعود الى الرواد الدائميين للمقهى.

يرفض صاحب هذا المقهى ان يقدم ما تسمى اليوم بـ(الشيشة) و(المعسل)، بل ان رواد المقهى لا يفضلون تدخين المعسل على الاطلاق، التبغ المستخدم في الاركيلة هو التبغ الاصلي، اوراق التبغ مثلما هي بعروقها، كان يتم جلبها من شمال العراق مباشرة، ثم صارت تستورد من تركيا، حيث تنقع اوراق التبغ بالماء قبل ان توضع في فنجان يحتل اعلى الناركيلة وتوضع فوقه جمرات من الفحم المهيأ فيما يعرف بـ(الوجر) والذي يبقى مشتعلا طوال اليوم تقريبا.

تهيئة الناركيلة تحتاج الى متخصص عمله في المقهى يختلف عن عمل من يهيئ الشاي او يقدمه، وهناك بعض الزبائن الدائميين يحضرون معهم تبغهم المفضل، والتبغ في اللهجة العراقية الشائعة هو (تتن)، لهذا غالبا ما نسمع صاحب المقهى مناديا عامل الناركيلة وهو يقول له «تعال اخذ التتن».

رائحة الناركيلة هي في الغالب ما يجذب الزبائن المارين بالقرب من المقهى المظلل بسقف من الطابوق المعقود بالجص والمزخرف على الطريقة البغدادية، هذه الزخارف اختفت اليوم خلف طلاء من الدهان الابيض، كما اختفى لون الآجر الاصفر، على الرغم من ان المقهى مسجل كبناء تاريخي لا يمكن التلاعب به.

امام الباب الداخلي بمسافة تقدر بـ15 متراً تقع بناية جامع الخفافين بمنارتها القديمة المبنية بالطابوق والجص والمعقودة على شكل اقواس حالها حال الابنية القديمة، اذ تمتلك شكلاً جمالياً وحساً فنياً عالياً، وبسبب وجود الجامع الذي يلتحق به المقهى فان مقهى الخفافين حرم من استضافة قراء المقام ولم يعرف عنه عبر تاريخه ان اقيمت فيه جلسات غنائية لقراء المقام العراقي، مثل بقية المقاهي التاريخية، الشابندر او التجار، او الزهاوي او البلدية، او البيروتي، وغيرها من عشرات المقاهي البغدادية.

وكونه مقهى متخصصا في استقبال فئة خاصة من الزبائن (الخفافين) فانه لم يكن يستهوي الكثير من الفئات الاخرى، مثل الشعراء والسياسيين كما كانت مقاهي شارع الرشيد، حسن عجمي والزهاوي والبرلمان، حيث كانت هذه المقاهي دواوين ادبية وسياسية دائمة.

لكن مقهى الخفافين لم يحرم من جلوس شعراء كبار فيه امثال الرصافي والزهاوي وملا عبود الكرخي، وكما كانت تجري فيه صفقات تجارية لباعة ومشتري الجلود، فان حوارات سياسية مهمة دارت تحت سقفه بعيدا عن اعين السلطات.

وعلى الرغم من التقدم التكنولوجي الذي عصف بكل الحياة العراقية وغيرها فان مقهى الخفافين لم يستقبل حتى اليوم جهاز تلفزيون او راديو، لهذا نجد ان الصمت يستقر فيه وكأنه ينام هناك، وباستثناء احاديث الرواد الهادئة، وحركة الماء داخل زجاجة الناركيلة عندما يسحب المدخن نفسا منها، تكاد لا تسمع أي ضجيج. كان يوجد خلف الجامع والمقهى خان يسمى بخان الخفافين وهو عبارة عن (مسافر خانة) وهي تسمية عثمانية وتعني الفندق، وهو خان ملحق بالجامع اذ كان المسافرون سابقاً يقضون ايامهم فيه. وقد اصبح الخان حالياً عبارة عن مخازن للاقمشة. وعلى الرغم من اختفاء الكثير من مقاهي بغداد القديمة، وفي مقدمتها مقهى البرلمان ومقهى البلدية، الا ان فكرة المقهى كمنتدى اجتماعي رجولي بقيت لاصقة في عمارة وذاكرة وروح المدينة، اذ كان في كل شارع او زقاق او حي يوجد اكثر من مقهى، وكان يقال ان بين كل مقهى ومقهى في بغداد يوجد مقهى.

ويدرس الباحث باسم حمودي تاريخ المقاهي في ذاكرة الرواية العراقية ، مشيرا الى تراثها الكـبير، وادوارها التـاريخية السياسية والاجتماعية والاقتصادية في عشرين رواية وقصة منها يذكر منها: «الرجل الذي ضحك اخيرا» لمحمد جودي محمد، و«النخلة والجيران» لغائب طعمة فرمان، و«صيادون في شارع ضيق» لجبرا ابراهيم جبرا، التي نشرها بالانجليزية عام 1960 وترجمها د. محمد عصفور الى العربية عام 1974 ، يقول عنها حمودي «هي الرواية الوحيدة التي اعتنت بالمكان عناية فائقة واتخذته مكانا رئيسا للاحداث». وتعد مقاهي بغداد اهم معالم العاصمة العراقية على الاطلاق ومركز انشطتها الثقافية والسياسية والاقتصادية، حيث انطلقت منها اهم المظاهرات السياسية وجلس فيها ابرز الكتاب والمعماريين والمسرحيين والشعراء والموسيقيين. وربما افضل من تناول تاريخ المقاهي كثيمة فنية وادبية في المسرح العراقي هو رائد المسرح يوسف العاني، الذي لا يكاد يختفي المقهى كمكان وكحدث من جميع مسرحياته.

واذا كانت عمارة غالبية المقاهي تتشابه بحكم وضيفتها والفترة الزمنية التي بنيت فيها، فان مقهى الخفافين يختلف معماريا عن باقي مقاهي بغداد لارتباطه بجامع وخان الخفافين من جهة، ولقدم تاريخه من جهة ثانية.

مقهى الخفافين بني ليؤدي وظيفة معينة، استضافة زبائن معينين ومتشابهين في مهنتهم، كذلك استقبال زبائن خان الخفافين، أي انه ليس مقهى مفتوحا للجميع مثل بقية المقاهي، على الرغم من ان ذلك لا يعني انه لا يستقبل أي زبون، بل ان مكانه المحصور بين بوابة جامع الخفافين وسوقهم لا يجعله مقهى شعبيا كبقية المقاهي المنفتحة على الشوارع العامة، شارع الرشيد خاصة.

والمقهى مبني من الطابوق البغدادي الاصفر، الذي تم طلاؤه بالدهان الابيض، ومفتوح من جهة السقف، على الرغم من تغطية الفتحة بلوح زجاجي شفاف يتيح لضوء الشمس منح المكان فسحة ضوئية مترفة، وهذا السقف قابل للحركة للسماح للتيار الهوائي بتعبئة المكان وتجديد حيويته.

اليوم يرتاد مقهى الخفافين غالبية من الشباب الذين يريدون التمسك بما تبقى من ذيول تاريخ بغداد وتراثها، اضافة الى رواده الاصليين، كما كان جمع من السياح يرتاده عندما كانت بغداد مفتوحة امام المجاميع السياحية،، هناك نتنفس التاريخ ونشاهده بصورة زخرفية رائعة، وننعم بصمت واسترخاء مترف، لنخرج الى حياة بغداد الصاخبة وكأننا تركنا خلفنا سنوات من الماضي المنحسر بين بناية المدرسة المستنصرية وجامع الخفافين ومقهاهم.

التعليــقــــات
نايف الغبيني، «فرنسا ميتروبولتان»، 29/05/2008
الله يرجع لنا بغداد ويفك اسرها ويعود الامن لها حتى نزورها ونستمتع بها.
 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Terms of use
شروط الانتفاع
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2014 © H H Saudi Research and Marketing LTD, All Rights Reserved And subject to Terms of Use Agreement .
© جميع الحقوق محفوظة للشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق وتخضع لشروط وإتفاق الإستخدام