الاثنيـن 21 رمضـان 1423 هـ 25 نوفمبر 2002 العدد 8763
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  







 

من محكوم بالإعدام إلى رئيس للخطوط الجوية الملكية الأردنية

علي غندور لـ«الشرق الأوسط»: كنت وما زلت كلما وصلت إلى قمة أرى أخرى أعلى منها * مرت أمامي فرص عديدة عرفت كيف أستفيد منها وأفيد

بيروت: ريما نزيه صيداني

* الأردن منحني الأمان ولبنان أعطاني حكماً بالإعدام... أوصلني إلى النجاح

* الطائفية جعلت لبنان مجتمعاً قبلياً... ولن نمنع حروباً مستقبلية إلا إذا ألغيت الطائفية من جذورها.

ان تكون محكوماً بالاعدام وان تصبح في ما بعد مؤسساً ورئيساً لواحدة من اهم شركات الطيران العربية... مسيرة تستحق التوقف عندها والتأمل بمراحلها. تلك هي الرحلة التي قطعها علي غندور ابن الجنوب اللبناني. فهذا الشاب الذي انتمى في مطلع شبابه الى الحزب السوري القومي الاجتماعي... تسبب له هذا الانتماء بحكم الاعدام... فكان الاردن ملجأه وساحة اعماله، اذ كلفه الملك حسين بتأسيس شركة الطيران الوطنية، فكانت «الخطوط الجوية الملكية الاردنية ـ عالية».

عمرٌ مضى بين هدير الطائرات وزحمة المطارات، واليوم يحط علي غندور رحاله على صفحات «الشرق الاوسط»، ليروي لنا «سيرته الجوية»، لا سيما انه ـ اليوم ـ رئيس شركتي AviationPioneers للدراسات وJetAirways للنقل الجوي الداخلي في الهند. الى جانب شغفه بالطيران، يعطي علي غندور حيزاً كبيراً من وقته للنشاطات الاكاديمية، فهو عضو في مجلس امناء الجامعة الاميركية في بيروت، بالاضافة الى وجوده في العديد من المرافق الثقافية الاخرى. ابرز ما تستشفه من كلامه انه رجل يرفض التقاعد، فالحركة الكثيفة ما زالت تعايشه وجدول اعماله مزدحم بصورة دائمة. في مكتبه في بيروت ـ حيث تنتشر صور معظم افراد العائلة المالكة الاردنيةـ التقيته... وكان هذا الحوار الطويل:

* ما الذي اوصل ابن الجنوب اللبناني علي غندور الى عمان وتأسيس الخطوط الجوية الملكية الاردنية «عالية»؟

ـ ربما هذه نقطة تحول رئيسية في حياتي وجعلت كل الاحداث تدور في فلكها فيما بعد. بدأت طفولتي ومطلع شبابي في بيروت حيث درست في الكلية الاستعدادية «IC» وكانت يومها جزءاً من الجامعة الاميركية في بيروت، ثم التحقت بالجامعة الاميركية وبعدها اكملت دراستي في الولايات المتحدةـ نيويورك كمهندس طيران. عدت الى لبنان أواخر عام 1954 اذ عملت مهندساً وخبيراً في مديرية الطيران المدني ورئيساً لدائرة سلامة الطيران التي تعنى بصيانة الطائرات وترخيص الفنيين والطيارين والتحقيق في حوادث الطيران. منذ مطلع شبابي اسوة بالكثيرين من رفاقي انتسبت الى الحزب السوري القومي الاجتماعي وكان لي نشاط في التوجه العقائدي.

في اواخر العام 1961 كنت في باريس مع زملاء لي نتلقى دروساً فنية حول طائرة الكارافيل التي كانت ستنضم الى اسطول شركة الخطوط الجوية اللبنانية التي كنت مسؤولاً عن صيانة طائراتها، وفي هذه الاثناء وتحديداً في رأس السنة قام الحزب السوري القومي الاجتماعي بمحاولة انقلاب في لبنان الامر الذي سبب لي صدمة اذ انني لم اؤمن ان الانقلابات هي خير وسيلة للوصول الى الحكم لا سيما ان الحزب السوري القومي حزب عقائدي يؤمن بالتبشير العقائدي في المجتمع وبالتالي يصل المؤمنون بفكره الى الحكم فيكرسون المجتمع المدني الذي يؤمن بالحرية والديمقراطية منهجاً للحكم العادل. عدم ايماني او اشتراكي بمحاولة الانقلاب لم يمنع الحكومة اللبنانية من ملاحقتي فكنت مطلوباً للعدالة وفاراً لاجئاً في باريس ومنها الى افريقياـ ساحل العاج، فالكويت حيث عملت لفترة وجيزة في مديرية الطيران المدني وهناك قال المسؤولون في وزارة الداخلية: اذا صدر الحكم عليك في لبنان بالبراءة تبقى عندنا على الرحب والسعة اما اذا صدر الحكم بحقك وطلبك لبنان فعلينا عندئذ تسليمك وعندها نرى ان تغادر الكويت فوراً.

في شهر آب من عام 1962، صدر الحكم علي بالاعدام فغادرت الكويت فوراً الى الاردن. في عمان توجهت مع بعض الامناء في الحزب لزيارة جلالة الملك لتقديم الشكر على حسن ضيافة الرفاق. وحينها سألني جلالته عن مشاريعي المستقبلية وكان يعرف عن مهنتي في الطيران، اجبته: ربما اعود الى افريقيا الغربية واعمل هناك. رفض الفكرة وقال انت هنا بين اهلك في الاردن، تبقى معنا ونؤسس معاً شركة طيران وطنية، اذ ان الشركة التي كانت قائمة يومها كانت اجنبية ولا هم لها الا جني الارباح فلا تدرب الشباب ولا توسع خطوطها. قمت فوراً باجراء الدراسات فأعجب بها وطلب مني ان نباشر بالتنفيذ وهكذا كان. فبعد اسبوع باشرنا بتسيير الرحلات من عمان الى القدس وبيروت. اول طائرة كانت من طراز DCC استأجرناها من شركة الخطوط الجوية اللبنانية التي كنت قبل محاولة الانقلاب رئيساً للمهندسين لديها ومسؤولاً عن صيانة طائراتها. وكان للأخوين كارلوس والفونس عريضة اللبنانيين اصحاب الشركة دور كبير في دعم تأسيس شركة عالية. ثم اعطاني جلالة الملك طائرتين من طراز «DartHerald» كانتا في السلاح الجوي الملكي فحولتهما الى طائرات مدنية. اما اسم «عالية»، فخلال اجتماعي الاخير مع جلالة الملك بحثنا في اسم الشركة فطلبت منه الموافقة على اسم «الخطوط الجوية الملكية الاردنية»، فوافق ثم طلب مني اضافة اسم «عالية» وهو اسم ابنته البكر الاميرة «عالية»، ليبين للجميع مدى اهتمامه بالشركة ودعمه ورعايته لها. كانت بداية متواضعة انما بطموح كبير وكانت الخطوة الاولى لمسيرة طويلة مع جلالته استمرت اكثر من سبعة وثلاثين عاماً، بدأت كرئيس لمؤسسة الطيران ثم مستشاراً لجلالته حاملاً رسائله لعدد كبير من الملوك والرؤساء.

* يعرف عن الملك اهتمامه بالطيران ـ كما هو الطيارـ فهل ذلك قربكما وساعد على ان يفهمك؟

ـ كما ذكرت، كان الطيران من ابرز اهتمامات جلالة الملك، اذ كان طياراً ماهراً ويهوى كل جديد في عالم الطيران، اذكر انني في اليوم الذي أسسنا فيه شركة الطيران «عالية» اسسنا اكاديمية الطيران التي خرجت المئات من الطيارين والفنيين. كانت بداية الاكاديمية متواضعة كذلك، كنت انا الذي يدرس المادة. اراد جلالته ان يشجع الاردنيين للاقبال على دراسة الطيران وأراد ان يكون هو القدوة، فكان يحضر مساء كل يوم الى الاكاديمية ويتابع الدروس والمحاضرات وان لم يكن بحاجة الى ذلك وهذا ما ساهم في اقدام الشباب والشبابات للانتساب الى المعهد وكثير منهم تخرجوا وعملوا في ما بعد طيارين في الشركة هذا ولا شك ساهم في دعم جلالة الملك وتقديره.

* هل تعتبر ان للقدر وجهين وانك استفدت من الظروف السيئة والى أي مدى لعب الحظ دوراً في حياتك؟

ـ القدر اوصلني الى الاردن والى التعرف على جلالة الحسين وكثيرون غيري اوصلهم كذلك القدر وتعرفوا الى جلالته ولكن القدر وحده لا يكفي فالجهد الذي بذلته والتفاني في عملي هما الركيزتان الاساسيتان للانجازات التي حققتها. حتى قبل ذهابي الى الاردن، كنت من المهندسين الناجحين في حقل الطيران. اذ اني عينت رئيسا للمهندسين والمدير العام الفني لشركة الطيران الدولي اللبناني LIA، وعمري لم يكن يتجاوز الرابعة والعشرين. القدر والصدف مهمان في حياة اي شخص، كل انسان تقابله فرص سانحة هناك من يمسك بها ويستفيد منها وهناك من تعترضه الفرص وتمر مرور الكرام فلا يلاحظها ويبقى يندب حظه. مرت امامي فرص عديدة عرفت كيف استفيد منها وافيد.

واما عن الاستفادة من الظروف السيئة، فهناك قصة طريفة: يذكرني دائماً بها النائب اللواء سامي الخطيب ـ وكان يومها مسؤولاً في جهاز المخابرات العسكرية ومسؤولاً عن ملاحقتي ـ ان له فضلاً علي. اذ لولا ملاحقته لي لما توجهت الى الاردن ولما حققت كل هذه الانجازات. وكلما ذكرني بفضله عليّ اقدم له الشكر.

* وبعد سنوات في عمان محكوما بالاعدام كيف كان شعورك وما الذي حل بحكم الاعدام؟

حكم الاعدام صدر في عام 1962 ووضعت الحكومة يومها جائزة لمن يسهل القبض علي حيا او ميتا، وصدر العفو في عام 1968 اي بعد ست سنوات. طيلة السنوات الست قضيتها في العمل المتواصل بلا كلل، وكأن كل يوم آخر يوم في حياتي استفيد من كل ساعة من ساعاته. لم يكن للخوف موقع في نفسي فقربي من جلالة الملك كان عاملا اساسيا للاستقرار النفسي والامني.

في احد مؤتمرات القمة التي عقدت في القاهرة وكنت بمعية جلالة الملك التقيت رئيس الجمهورية اللبنانية شارل حلو وكان حديث بيننا وكنت لا ازال يومها محكوما بالاعدام، ذكر لي انه ينوي اصدار عفو خاص عني، رفضت وقلت لفخامته ان عليه ان يصدر عفوا عاما عن الجميع. بعد صدور العفو العام، استأذنت جلالته للسفر الى بيروت لزيارة اهلي فاستمهلني ليتأكد من ان لا خطر علي. اذ كنت احمل الجنسية الاردنية بينما العفو صدر عن علي غندور حامل الجنسية اللبنانية، بعد تأكده سافرت الى بيروت وكان استقبال حار.

* الم تفكر بالعودة نهائياً الى لبنان ام ان النجاح الذي حققته في عمان حفزك على البقاء؟

ـ الولاء والمحبة اللتان اكنهما لجلالة الملك كانتا اقوى بكثير من رغبتي في العودة الى لبنان. كان لدي في الاردن مسؤوليات ضخمة فمؤسسة الطيران كانت قد قطعت شوطاً كبيراً في التطور والتوسع بالنسبة لعدد الطائرات وشبكة الخطوط وتحتاج الى رعاية متواصلة. وكان لتقدير جلالة الملك الحسين لي واهتمامه بنجاح ونمو المؤسسة بالاضافة الى الصداقة الحميمة التي تولدت بيننا عبر السنوات عاملاً اساسياً لابعاد اي فكرة بالعودة الى لبنان اذ لم تخطر الفكرة ببالي مطلقا، شعرت في الاردن انني اردني ولاء وانتماء تماما كما اشعر انني لبناني ولاء وانتماء وما شعرت ابدا انني غريب في الاردن.

* اليوم هل من علاقة مع الحزب او اي من افراده؟

ـ كما ذكرت لك ليس لديّ اي نشاط حزبي رسمي او ارتباط مع التنظيم الحزبي انما لي صداقات عديدة مع الكثيرين من افراد الحزب والمسؤولين في ادارته. ولي كذلك ارتباط مع فكر انطون سعادة مؤسس الحزب القومي الاجتماعي فأسست مع مجموعة مميزة من المؤمنين بفكره «مؤسسة سعادة للثقافة» وتعنى بدراسة فكر سعادة ونشر هذا الفكر وتطوير الافكار لتتلاءم مع متطلبات العصر والمستجدات على الساحة الاقليمية والعالمية.

* هلا حدثتنا عن فترة رئاستك للخطوط الجوية الملكية الاردنية؟

ـ اود ان اذكر انني المؤسس الرئيس لها كما توليت منصب رئاسة مجلسها والادارة العامة لغاية عام .1989 واكبت تطورها من البداية المتواضعة عام 1963 الى ان اصبحت من اهم الشركات في العالم العربي وفي البلدان النامية، وكانت مثلا للنجاح تقتدي به عدة شركات.

في فترة رئاستي كان اهتمامي الاكبر بالانسان فأنشأت مركزاً للتدريب الفني، يدرب الفنيين والطيارين والاداريين. كما انشأت مركزاً هاماً لصيانة الطائرات ومركزاً للتموين. وبفضل هذه المراكز استطاعت الشركة ان تتبوأ مركزاً مرموقاً في عالم الطيران. والمنظمة الدولية للنقل الجوي IATA كانت خير شاهد على ذلك، اذ انتخبت عضوا في اللجنة التنفيذية ورئىسا لها كما كنت رئيساً ومؤسسا للجنة التنمية البشرية التابعة للمنظمة الدولية. وكان ذلك ولا شك دلالة على مركز الشركة في المنظمة.

* هل الشركة اليوم ما زالت سائرة على الخط الذي رسمته وجلالة الملك في عام 1963؟

ـ الشركة اليوم لا تزال من الشركات المميزة في العالمي العربي اذ لديها البنية الاساسية المتينة لتبني عليها حاضرها ومسقبلها وهي اليوم اسوة بالكثير من الشركات الوطنية للنقل الجوي تعمل على خصخصتها. اي تحويلها الى شركة تجارية خاصة وارجو ان يتم ذلك قريباً. ويقوم على ادارتها اليوم فريق من الاداريين والفنيين الذين واكبوا نموها وتبوأوا مناصب عدة في جهاز الفني والاداري. ربما الفرق الوحيد بين الامس واليوم هو ان الشركة كانت ـ كما يقول البعض اكبر من حجم الاردن، والآن تحاول ان تأخذ حجم الاردن. كان جلالة الملك يقول دائما ان المسألة ليست بالحجم الجغرافي انما بحجم الطموح. وجلالة الملك كان طموحه اكبر بكثير من حجم الاردن الجغرافي وعدد سكانه.

* الملك حسين والملك عبد الله اين يلتقيان واين يختلفان؟

ـ بلا شك جلالة الملك عبد الله يتابع في كثير من الامور مسيرة ما بدأه والده الحسين، فالملك حسين كان يؤمن بالحداثة ومواكبة متطلبات العصر ونرى اليوم كيف ان جلالة الملك عبد الله يولي اهتمامه للحداثة والتطورات التكنولوجية والمعلوماتية. بطبيعة الحال كل حاكم له طريقة واسلوب في الحكم وهذا ليس مجالاً للاختلاف. جلالة الملك عبد الله يشدد على ان يبني القوة الذاتية للاردن اولا، ليصبح قادراً على التفاعل مع محيطه والعالم، وبالتالي قادرا على مساعدة الآخرين.

* هل ما زالت تربطك صداقة بالعائلة المالكة؟

ـ نعم لدي صداقات مع غالبية اعضاء العائلة الهاشمية المالكة واكن لهم كل محبة واحترام.

* الى اي مدى تقدير المجتمع الاردني لانجازاتك حفّزك على تحقيق المزيد؟ وهل تعتبر ان للأردن جميلاً عليك؟

ـ تقدير جلالة الملك والمجتمع كانا ولا شك الحافز الاكبر لتحقيق المزيد. وكما كانت الانجازات مصدر تفاخر واعتزاز للكثيرين كانت كذلك في بعض الاحيان مصدر حسد، وهذا كان لا بد منه، انما كان يتبدد عندما نشرح ما تحققه هذه الانجازات للوطن والمجتمع. احياناً، يضطر الانسان الناجح ان يدافع عن نجاحه.

* تلاحظ اليوم ان الملك عبد الله يتجه بشكل ملفت لتأهيل قطاع السياحة. برأيك الى اي مدى يمكن لهذا القطاع ان يلعب دوراً بارزاً في التنمية الاقتصادية.

ـ الاردن بلد صغير الحجم ومتواضع الامكانيات فثرواته الطبيعية قليلة، انما غني جدا بآثاره ومناخه مما يجعل الثروة السياحية مصدرا اساسيا للتنمية الاقتصادية. في نظري السياحة هي اهم عنصر في الاقتصاد الاردني نظرا لتوفر موادها الاساسية، من آثار مثل البتراء وجرش والقصور الصحراوية، وبقربه من الاماكن المقدسة. وبوجود منطقة العقبة على البحر الاحمر والسياحة العلاجية على البحر الميت وماعين. وان كان الاردن يستطيع ان يحقق الكثير في صناعة السياحة بمفرده. الا ان التعاون الاقليمي مع سورية ولبنان شرط اساسي لتحقيق المزيد من المكاسب للجميع. فيحل التعاون والتكامل بدلا من التنافس ويعطي للسياحة مهمة للترويج السياحي تشمل آثار الاردن والاراضي المقدسة بالاضافة الى آثار سورية مثل تدمر وحلب ودمشق واللاذقية وارواد وكذلك آثار لبنان مثل طرابلس وصيدا وصور وبيروت وبيبلوس وبعلبك والبحار الثلاث: المتوسط والاحمر والميت. نسمع كثيراً عن مشاريع التعاون انما معظمها يبقى حبرا على ورق وشعارا لا يتحقق.

* تملك شركة AVIATIONPIONEERS هلا اخبرتنا عن نشاطاتها، وهل لك اي نشاط آخر في حقل الطيران؟

ـ عقب وفاة جلالة الملك وانتهت مهمتي كمستشار لجلالته اسست شركة في بيروت مع صديق لي هو السيد يوسف لحو المدير العام السابق لشركة طيران الشرق الاوسط اسميناها AVIATIONPIONEERS اذ كلانا من رواد الطيران في المحيط العربي. تقوم الشركة بتقديم الدراسات والاستشارات لعدة شركات طيران عربية واجنبية. شخصيا ساهمت بتأسيس شركة طيران للنقل الداخلي في الهند تدعى JETAIRWAYS وانا اليوم عضو في مجلس ادارتها ورئيس للجنة التنفيذية. بدأت الشركة متواضعة عام 1992 واصبح لديها اليوم اكثر من اربعين طائرة تعمل الى اكثر من اربعين مدينة في الهند.

* في العام 1990 وبعد مغادرتك الملكية الاردنية ماذا كانت نشاطاتك؟

ـ كنت مستشارا لجلالة الملك كما كان يكلفني بمهمات دبلوماسية وسياسية حاملا رسائله المكتوبة والشفهية احيانا الى العديد من رؤساء الدول.

* علي غندور المعروف انك لعبت دورا خلال الحرب اللبنانية، اذ كنت موفد الملك حسين الى الرئيس امين الجميل، هلا اخبرتنا عن هذا النشاط؟

ـ بما انني كنت متعمقا بالخارطة السياسية اللبنانية ومتابعا للاحداث الاليمة ولديّ الكثير من الاصدقاء والمعارف من السياسيين اللبنانيين، رأى جلالته ان اكون همزة الوصل بين جلالته وبينهم، كونه كان حريصا على ايجاد حل للحرب الاهلية. كان يرسلني لمقابلة فخامة الرئيس امين الجميل حاملا رسائله الخطية والشفهية. ومن موقعي اسطيع ان اجزم بأن جلالة الملك ساهم بعودة الامن الى لبنان.

* بما انك كنت قريباً من مجريات الاحداث وتملك العديد من المعطيات، كيف قرأت الحرب اللبنانية. هل كانت فعلا حرب الآخرين على ارضنا؟

ـ الحقيقة ان اللبنانيين جعلوها حرب الآخرين على ارضهم، اللبنانيون هم الذين دعوا الآخرين ليتحاربوا على ارضهم. كل طائفة تدعو غريباً ليسندها ضد طائفة اخرى. بحقّ كانت الحرب طائفية بجذورها وحرب الآخرين بفروعها.

الطائفية هي علة العلل وهي التي لا تزال تقسّم وتشرذم المجتمع اللبناني وتحوله الى مجتمع قبلي. كل طائفة تتصرف كأنها قبيلة تتناحر مع الطوائف الاخرى للحصول على مكاسب طائفية او شخصية في معظم الاحيان. التعددية الطائفية في لبنان تستطيع ان تكون مصدر غنى ثقافي وحضاري شرط ان يكون التعبير السياسي عنها هو المساواة بالمواطنة. لو تحققت المساواة لما حصلت الحرب. لن نستطيع منع حروب مستقبلية الا اذا ألغيت الطائفية من جذورها.

* لكن من الواضح ان اهداف الحرب تغيرت بين مرحلة واخرى؟

ـ صحيح جدا، بدأت الحرب وكأنها فلسطينيةـ كتائبية مارونية، فأصبحت اسلامية مسيحية ثم تحولت طائفية ـ طائفية. اذ ان كل طائفةـ كما ذكرت ـ تتصرف كأنها قبيلة لا ترضى ان يكون على رأسها الا شيخ واحد فكانت حرب مارونيةـ مارونية بين جعجع وعون وطائفية بين مسلم ومسلم، الخ... لذلك لا بد من الوصول الى اقامة المجتمع المدني حيث لا وجود للصراع الطائفي. يتحدثون اليوم عن الغاء الطائفية السياسية كأنها هي اصل الحرب الاهلية، العلة ليست فقط بالطائفية السياسية بل الطائفية بشكل عام. فالطائفية السياسية هي متفرعة من الطائفية فلا نستطيع ان نقضي على الفرع الا اذا قضينا على الاصل والاصل هو الطائفية.

* مرّت شركة طيران الشرق الاوسط MEA بمشاكل عديدة، هل استشارتك الدولة اللبنانية لكيفية حلها؟

ـ اقتصر الامر على اجتماعات بيني وبين المسؤولين وابديت وجهة نظري بالحل. الشركة كانت من اهم شركات الطيران في العالم العربي وتراجعها سببته الحرب الاهلية واستمرارها كان نتيجة لقوة بنيتها الاساسية وجهد القائمين عليها. بنظري ان على الحكومة الاسراع بخصخصتها، اما عن طريق شريك استراتيجي ـ وهذا بنظري صعب ـ او بيعها الى مستثمرين لبنانيين وعرب يتولون مسؤولية تطويرها وتمويلها. ارى كذلك، انه يجب على الحكومة اللبنانية ان تسمح بتأسيس شركات اخرى تعمل على شبكة خطوط، لا تعمل عليها حاليا شركة طيران الشرق الاوسط. وفي هذا مصلحة لبنان باستغلال كل حقوق النقل الممنوحة له، فلا يجوز ان تُعطى شركة امتيازاً لا تستعمله وتَحرِم الآخرين من الاستفادة منه.

* نجد اليوم ان كل شركة طيران تسعى بشتّى الوسائل الى تقديم حسومات واغراءات لجذب عدد اكبر من الزبائن. هل كثرة الشركات هي التي ادت الى هذا التنافس المحموم؟

ـ في عام 1978 اتخذت الحكومة الاميركية قراراً بالغاء القيود على عمليات الطيران ما يعرف بـDeregulation اي التحرر من القيود. قبل هذا الحدث كانت شركات الطيران تتمتع بالحماية من المنافسة المحمومة، اذ كانت المنظمة الدولية IATA تحدد الاسعار ومن لا يلتزم بها يغرم. امتد التحرر من القيود الى الدول الاوروبية وغيرها واصبحت سياسة التسعير محررة وكل شركة تطرح اي سعر تريد بما يتوافق مع سياستها التسويقية وهكذا بدأت حرب الاسعار والتنافس المحموم وهذا فيه مصلحة للمواطن والى التسويق السياحي. اذ ان الكثير من الشركات التي كلفتها باهظة، لم تستطع ان تصمد امام هذه المنافسة. لهذا رأينا ان عمالقة شركات الطيران مثل PanAmerican وTWA وEASTERNوBRANIFF واخيراً SwissAir وغيرها... زالت من الوجود.

* ما الذي جعلك تبتعد عن السياسة في لبنان. وهل عرض عليك اي منصب سياسي في الاردن؟

ـ انا لست بعيداً عن السياسة اللبنانية، اتابعها عن كثب واهتم بها. انما العمل السياسي كمهنة لا يستهويني... فما اقوم به من اهتمامات اكاديمية واجتماعية يحقق الكثير من طموحي. في الاردن عرضت علي مسؤوليات سياسية وعينت مستشاراً لجلالة الملك، وهناك رتبة المستشار تتقدم بروتوكولياً على رتبة وزير.

* هل من عوامل في الاردن ساعدتك على النجاح... وغائبة في لبنان؟

ـ الكفاءة والخبرة في لبنان لا يكفيان للنجاح، فالانتماء الطائفي هو الاساس. لهذا نرى ان المواطن اللبناني، ومهما يحمل من كفاءات عليه ان يعتمد على رئيس طائفة للتقدم وتسلق سلّم النجاح. وكان رحمه الله سعيد تقي الدين يقول: «كيف السبيل الى تسلق سلم النجاح وهو مسروق». في لبنان الطائفية هي سلم النجاح، وبسببها، المواطن اللبناني ولاؤه الاول لطائفته ورئيسها لا للوطن.

* عندما حكم عليك بالاعدام، هل كنت منهاراً؟

ـ لا بتاتاً، على الرغم من حوادث عدة، منها اطلاق النار علي في مناسبتين، ودخول اشخاص الى مكتبي واحتجاز الموظفين ليدلوهم الى مكان وجودي ليقتلوني... ربما لحصولهم على المكافأة المالية التي عرضتها ـ آنذاك، الحكومة اللبنانية، من الطبيعي كان القلق يعايشني... وربما لا يزال اثره في بعض تصرفاتي واسلوب حياتي.

* لا شك ان هذا المشوار المفعم بالنجاح كان حافلاً بالصعاب ايضاً، لاسيما كونك اجنبياً في هذا المجتمع... ومن الطبيعي ان تحمل نظرات الكثيرين اعتراضاً. ما تعليقك؟

ـ المشوار كان حافلاً بتحديات واجهتها بصلابة. لم يكن سهلاً تأسيس شركة طيران في الاردن، حيث لم يكن هناك اي كفاءات محلية. اذ ان الشركات الاجنبية كانت تدير الشركة فقط ولا تدرب الموظفين والتقنيين. كان علي مواجهة تحدي «مرحلة بداية التأسيس» ـ التي تغلبت عليها بفضل السياسة الحكيمة التي اتبعتها، وتجلت بإنشاء مراكز للتدريب، وبدعم جلالة الملك لجهودي، تتحدثين عن كوني اجنبياً... للحقيقة انني لم اشعر يوماً انني اجنبي، بل مواطن اردني من اصل لبناني. وهذا لم يشكل لي اي عقدة، ثم ان الكثير من الاردنيين سواء مواطنين او مسؤولين لم ينظروا الي كأجنبي اطلاقاً... ما جعلني اشعر انني بين اهلي. وكما سبق وذكرت ان النجاح كان يسبب لي بعض الحسد، فكنت امر عليه مرور الكرام وأقول «إعمل ما يرضي ضميرك وأمشي».

* الى جانب الطيران بماذا تهتم؟ واليوم الى ماذا تطمح؟

ـ لدي اهتمامات أكاديمية، فأنا عضو في مجلس أمناء الجامعة الاميركية في بيروت، وأخصص حيزاً كبيراً من وقتي لهذا النشاط. أهتم بتطوير ومساعدة الشؤون الطلابية. كما انا عضو في منتدى الفكر العربي وجمعية العلاقات الدولية ومؤسسة سعادة للثقافة. كما أود ان اذكر انني ساهمت في تأسيس مركز الدراسات العربية المعاصرة في جامعة جورج تاون وترأست المجلس الاستشاري لعشر سنوات.

* هل حققت اكثر مما كنت تتخيل؟

ـ لا. لأنني كنت ـ ولا ازال ـ كلما وصلت الى قمة، ارى اخرى اعلى منها، فأهتم بصعودها. لم اشعر في حياتي، انني وصلت الى مكان لأستريح فيه.

* من ضمن الكثير من الشخصيات التي قابلتها، من لفتك ومع من تربطك صداقات؟

ـ قابلت العديد من الملوك والرؤساء والشخصيات السياسية والاجتماعية والفنية، وكل منهم ترك اثراً في ولكل ميزته، قد يصعب في هذا المجال ذكر كل الملوك والرؤساء والمسؤولين الكبار والاكاديميين والفنيين الذين تشرفت بلقائهم. انما اكثر من لفت نظري وترك اثراً فيّ نفسي منهم اولاً ـ وبلا شك ـ جلالة الملك حسين بن طلال، والرئيس جمال عبد الناصر والرئيس حافظ الاسد وآية الله الخميني والسلطان قابوس وسلطان بروناي حسن بلقيه والشيخ زايد آل نهيان والشيخ حمد بن عيسى وهو اليوم ملك البحرين. والامير سعود الفيصل والشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، بالاضافة الى الرؤساء شارل ديغول وفرانسوا ميتران وريتشارد نيكسون وجيمي كارتر وجورج بوش الاب، ووزير الخارجية الاميركي سايروس فانس وخلفه جيمس بيكر، ومن الصحافيين اعتز بصداقتي لعميد الصحافة العربية غسان تويني.

=

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Terms of use
شروط الانتفاع
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2014 © H H Saudi Research and Marketing LTD, All Rights Reserved And subject to Terms of Use Agreement .
© جميع الحقوق محفوظة للشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق وتخضع لشروط وإتفاق الإستخدام