الجمعـة 09 صفـر 1432 هـ 14 يناير 2011 العدد 11735
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  







 

الهجرة السرية إلى أستراليا.. تصطدم بتشدد الحكومة وتعنت البحر

يدخلون البلاد خلسة على متن «قوارب الموت» ويقتلون الأيام والسنين بالانتظار على جزيرة كريسماس

أدلاييد (أستراليا): سيمون نصار
خرج العراقيون من بلدهم المحترق هربا من الموت، فما كان من الموت إلا أن لاقى بعضهم في عرض البحر. هذا المشهد المأساوي لا ينطبق فقط على العراقيين، بل يشاركهم فيه أفغان وإيرانيون وفلسطينيون ومغاربة ومصريون.. خلال هجرتهم من بلادهم إلى أستراليا. ولكن الكثير منهم يركب «سفن الموت» لدخول البلاد خلسة.

ولا تزال حادثة غرق قارب صيد إندونيسي في قلب المحيط قبل عدة أسابيع، ومقتل 48 شخصا معظمهم من العراق، محل جدل في أستراليا حتى اليوم. ولا تزال المواقف الأسترالية متصلبة حول هذا النوع من الهجرة، وترفضها رفضا مبرما وقاسيا، تماما كما حصل مع سفينة الشحن النرويجية «تامبا» حين رفضت أستراليا استقبال من فيها وعددهم 433 مهاجرا أفغانيا، وأبقتهم لأسابيع في عرض البحر، دون أي نجدة أو مساعدة، إلى حين تدخل الأمين العام للأمم المتحدة حينذاك كوفي أنان. وأسفر تدخله، عن قبول الحكومة الأسترالية استقبالهم، لكن ليس على أراضيها، بل على أراض نيوزيلندا وجمهورية نورو في قلب المحيط الهادي.

وقوارب الموت الإندونيسية التي تحمل المهاجرين إلى أستراليا، تعتبر أشد خطورة، وأكثر مأساوية من مثيلاتها في البحر المتوسط. إذ إن المسافة التي تقطعها هذه القوارب، التي في الغالب عبارة عن قوارب صيد خشبية، وتحمل أكثر بكثير من طاقتها الاستيعابية. تصل إلى أكثر من 3 آلاف كيلومتر، خاصة إذا سلكت طرقات متعرجة هربا من قوات حرس الحدود البحرية الأسترالية. حيث من الممكن أن تتعرض لعواصف استوائية كبيرة لا طاقة لها على تحملها. فتغرق في المحيط. وهي في أحسن الأحوال تصطدم ببعض الجرز الصغيرة المتناثرة بكثرة في المنطقة، التي في أغلبها غير مأهولة بالسكان. أما في أسوئها فيتحول المهاجرون الذين يركبونها إلى طعام للأسماك وأيضا قرابين للمحيط الذي لا تحده حدود. وعلى هذا المثال، الجاري يسقط ضحاياه يوميا.

وقد جددت حادثة اصطدام أحد هذه القوارب، بالجرف الصخري لجزيرة الكريسماس التابعة لأستراليا قبل أسابيع قليلة، الحديث عن ملف الهجرة السرية، فاتحة ملف الاتفاقات التي جرت بين أستراليا وإندونيسيا، حول الحد من تفشي هذه الظاهرة التي تعتبر أحد أهم مصادر الدخل لأصحاب قوارب الصيد الإندونيسية، التي تسيرها مافيات أغلبها أوروبي يتعاون معها أشخاص من حوض المتوسط وآسيا الوسطى وشمال أفريقيا.

فهذه القوارب التي تسير بفعل غض البصر من السلطات في جاكرتا، لا تصل جميعها إلى غايتها. بل إن الكثير منها يغرق في عرض المحيط، كما أن الكثير منها لا يبلغ عن فقدانه من قبل العصابات التي تسيرها. وقد أعلنت أستراليا أكثر من مرة، أنها ليست قادرة على تسهيل أمور اللاجئين إليها خلسة. أولئك الذين تجد، سلطتها، أنهم غير قادرين على الحياة فيها، أو أنهم لا يلبون الشروط التي وضعتها أمام طالبي الهجرة إليها. وهي على شاكلة توفر مبلغا كبيرا من المال يصل إلى مائتي ألف دولار، إضافة إلى شهادات جامعية عليا متبوعة بسنوات خبرة في إطار المهنة نفسها. وهي ما يطلق عليها هجرة العقول التي إن سعت إلى الهجرة فلن تكون أستراليا وجهتها. لكنها مع العراقيين تتساهل كثيرا فيما خص هذه الشروط.

وقد أعلنت، بأنها تقبل سنويا نحو 10 آلاف عراقي، خاصة بين الأعوام التي تلت الغزو الأميركي بين عامي 2003 و2010. والحال هذه، فإن على من تتوفر لديه، في شخصه وعائلته، هذه الشروط. التقدم رسميا بطلب الهجرة، وكذلك من لا تتوفر لديه. لكن طلب الهجرة الشرعية قد يستغرق بين سنة وخمس سنوات لدراسته ثم الموافقة عليه، أو عدم الموافقة، وهذا ما يحصل في الغالب.

وقد دخل خلسة، إلى أستراليا، من العراقيين في نفس الفترة 5 أضعاف من دخلوا شرعيا، وذلك بمعدل 10 آلاف سنويا فقط من العراقيين، معظمهم يعيشون، خاصة الذين ينتظرون البت بموضوع السماح لهم بالإقامة، على نفقة الدولة، إما في جزيرة كريسماس، أو في الأرياف الصحراوية النائية التي تتطلب الحياة فيها شروطا كثيرة لا يتوفر لهم إلا قليلها. وهم بحسب الناطقة باسم حزب الخضر سارا هانسون يونغ «كلفوا الخزينة في الأربع سنوات الماضية مليارا من الدولارات»، خاصة في ما يتعلق بمركز احتجاز اللاجئين غير الشرعيين المقام منذ عام 2002 على جزيرة الكريسماس. وهذا المركز هو عبارة عن «مركز احتجاز أكثر منه مركز رعاية وتأهيل ومساعدة على تحقيق الاندماج». فقد أسس هذا المركز بأمر من حكومة جون هاورد، بطاقة استيعابية تصل إلى 1400 مهاجر، في حين أن الذين يقيمون فيه الآن، أكثر من 3 آلاف، في ظروف مأساوية جعلتهم يضربون عن الطعام أكثر من مرة من أجل تحسين ظروفهم.

والحق أن سكان الجزيرة أنفسهم مستاءون من واقع هذا المركز. فبعد أن وافقوا عليه وتم بناؤه بتكلفة 400 مليون دولار، على شكل مشاريع اقتصادية أقيمت على الجزيرة التابعة لأستراليا، من أجل إرضاء السكان. ودفع مبلغ 40 مليونا أخرى من أجل توسيعه، أصبح هذا المركز يشكل عبئا على الجزيرة، التي حتى الصرف الصحي فيها لا يمكنه استيعاب الكثافة السكانية الموجودة حاليا. ولذلك فهم مضطرون حاليا لإقفاله والبحث عن مكان آخر بسبب كثافة المهاجرين الذين يأتون على متن هذه القوارب.

السلطات الأسترالية تقول غنها غير قادرة على إرجاعهم إلى بلادهم، لأسباب كثيرة، سياسية وأمنية. وواقع الأمر، أنه منذ أن أسس هذا المركز على الجزيرة أصبحت هي وجهة كل القوارب وليس أستراليا. فالمياه الإقليمية الأسترالية محمية بشكل مكثف، خاصة، عند نقاط التلاقي مع إندونيسيا. وجزيرة الكريسماس، هي الأبعد جغرافيا عن أستراليا والأقرب إلى إندونيسيا. حيث تنطلق المراكب من موانئ الصيادين المنتشرة على الساحل الإندونيسي بوجهة واحدة. فالفكرة تقول إنه طالما وطئ المهاجر الأرض الأسترالية فهو بمأمن وبالتالي سيحصل على كل ما يريد. لكنهم في الواقع يبقون على هذه الجزيرة لسنوات دون رعاية كاملة.

يستحيل عزل المافيات التي تتخذ من الهجرة السرية، مصدرا لجمع أموال كثيرة، عن شخصيات ربما تكون نافذة في البلدان التي تنطلق منها قوارب الموت. فهذه المافيات التي غالبا ما تكون أوروبية المنشأ، تعمل بمساعدة وتنسيق مع عصابات شرق أوسطية وآسيوية. وهي موجودة، غالبا، في بلدان، يكثر فيها الفساد الإداري والسياسي وتستفحل فيها ظاهرة المحسوبيات واستغلال مواقع رسمية من أجل الإثراء الشخصي. ويفيد في ذلك، على الأقل، عدم تمكن الحكومة الإندونيسية، حتى الآن، من الحد من هذه الظاهرة ولا حتى من قمعها بشكل تدريجي، رغم أنها، والحال هذه تعلن مرارا أنها أجرت عمليات تنظيف وأمنت تغطية شبه كاملة لمياهها الإقليمية.

لكن وبما أن الأرخبيل الإندونيسي، الذي يتألف من 17 ألف جزيرة، فضاء مفتوح على إقامة أعمال كثيرة منها الشرعي ومنها عكسه، فإن السيطرة المطلقة عليه، تبدو مستحيلة على دولة بإمكانيات إندونيسيا، ما يجعلها أرضا خصبة لنمو عصابات من هذا النوع ومن أنواع أخرى. فقرار كهذا إن صدر، يحتاج لأن يستتبع بتنمية إدارية وتأهيل كادرات جديدة وحتى بغسل جسم القوة البحرية الخاصة، بتركيبة تنظيف تزيل منه الأجسام الفاسدة والخبيثة. إذ لو لم يكن الأمر كذلك، لكانت عدة دول مثل سنغافورة وماليزيا وفيجي، أيضا، ذات قدرة استيعابية لمثل هذه العصابات، لكنها والحال هذه مغلقة تماما أمام هذه الأعمال. وبما أن المبالغ التي تدفع كبيرة، فإن إمكانية دفع الرشى في بلد كإندونيسيا غارق في الفساد، تصبح أمرا سهل المنال.

تبلغ تكلفة السفر للشخص الواحد في هذه الرحلة، ما بين 7 و9 آلاف دولار على الشخص، ونصف المبلغ بخصوص الأطفال، وكذلك ألفا دولار إضافية لمن لا يملك جواز سفر. كما أن الإقامة في إندونيسيا على نفقة صاحب العلاقة، إذ لا يتدخل رجال العصابات والسماسرة في دفع تكاليف هذه الإقامة التي قد تمتد شهورا في بعض الأحيان، الأمر الذي يدفع بالبعض إلى اللجوء إلى الأمم المتحدة.

بيد أن سوق بيع تجارة الهجرة السرية بين العراقيين، تنتشر ليس فقط في العراق. بل إن أكبر سوق لتسويق هذا النوع من الهجرة بين العراقيين توجد في سورية حيث يوجد سماسرة يعملون كوسطاء بين عصابات الهجرة السرية في أوروبا ومن يرغب بالهجرة. ويقول غالبية المهاجرين من أصل عراقي الذين دخلوا إلى أستراليا بهذه الطريقة، إنهم قدموا من سورية إلى إندونيسيا ومنها في القوارب إلى أستراليا. وقال بعضهم إن الرحلة كلفتهم ما يزيد على 10 آلاف دولار أميركي منها مصاريف الإقامة في إندونيسيا التي أحيانا تمتد إلى نحو الشهر، وذلك إلى حين يتجمع العدد الملائم وبعدها يتم النقل بالقوارب التي غالبيتها قوارب صيد خشبية لا طاقة لها على مواجهة العواصف الاستوائية التي تهب في قلب المحيط. لكنهم في أغلب الأحيان لا يصلون إلى أستراليا بل إلى مركز الإقامة الشبيه بالسجن في جزيرة كريسماس، أو في أماكن أخرى، تجري مناقشات حثيثة داخل أستراليا حاليا، لاعتمادها كمراكز جديدة لتخزين اللاجئين.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Terms of use
شروط الانتفاع
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2014 © H H Saudi Research and Marketing LTD, All Rights Reserved And subject to Terms of Use Agreement .
© جميع الحقوق محفوظة للشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق وتخضع لشروط وإتفاق الإستخدام