الجمعـة 05 محـرم 1427 هـ 3 فبراير 2006 العدد 9929
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  







 

عالم من المشردين

تقدر الأمم المتحدة عدد المشردين في العالم بنحو مائة مليون شخص.. الغجر أكبرهم وأكثرهم انتشارا

واشنطن: محمد علي صالح
قالت فرانسيس تربليت، من اشهر المشردين فى واشنطن، لأنها تنام في حديقة «لافاييت بارك»، أمام البيت الأبيض، عن نفسها إنها «اكثر المتشردين طمأنينة، لأن الشرطة السرية التي تحرس الرئيس بوش تحرسني ايضا»، غير ان جيمس ديفيز، المشرد ايضا بالقرب من البيت الأبيض، قال إن هجوم 11 سبتمبر (ايلول) زاد مشكلة الاحباط، التي كان يعاني منها، واضطر لاستعمال حبوب «بروزاك»، لكن هذه لم تحل مشكلته، وزاد احباطه اكثر. لكن المشردة شيرل بارنز احسن حظا، لأنها، بعد ان قضت خمسا وعشرين سنة متشردة فى شوارع واشنطن، مدمنة للكحول والمخدرات، كفت عن هذا وتعمل الآن في التحالف الوطني لخدمة المشردين.

ولا تعرف لجنة حقوق الانسان التابعة للامم المتحدة «المتشرد»، لكنها تعرف «حق كل انسان في سكن مناسب». وتصف الحد الأدنى للسكن بأنه «جدران وسقف»، لكنها تعتبر ذلك غير كاف. في الجانب الآخر، يعرف الاميركيون «المتشرد» (هومليس)، بأنه الشخص الذي يعيش في الشارع، أي خارج «جدران وسقف»، اي اقل من الحد الادني لتفسير الامم المتحدة.

وتقول ماريا فوكسارينيز، مديرة المركز الوطني للتشرد والفقر في واشنطن، لـ«الشرق الاوسط» ان «عدم عدالة تقسيم الثروة داخل اميركا»، ساهم مساهمة كبيرة في زيادة مشكلة التشرد. وقالت ان المسؤولية ليست مسؤولية حزب معين او ادارة معين، ولكن «هذه مشكلة كبيرة ومعقدة، وفيها جوانب مالية وعائلية واخلاقية. وانا احس، لسوء الحظ، انها تزيد تدريجيا، ولكن لا تهتم بها اغلبية الاميركيين، ويستغلها السياسيون لخدمة اهدافهم، ولا يهتم بها الصحافيون الا اذا تسببت فى جريمة»، مثلما حدث في فلوريدا.

وأصدر، في الاسبوع الماضي، التحالف الوطني للمشردين تقريرا عن «حلم ممنوع: تجريم المشردين في شوارع المدن الاميركية»، اشار الى ان الظلم الذي وقع على المشردين ليس فقط من جانب مواطنين (بيض او غير بيض)، ولكن، ايضا، من جانب عمد كثير من هذه المدن (بعض هؤلاء العمد سود أو لاتينيون).

وأشار التقرير الى ان هؤلاء العمد اصدروا، خلال السنتين الماضيتين، قوانين تمنع المشردين من أن يعيشوا او يناموا او يشحذوا في الشوارع والحدائق العامة. وسمى التقرير «اكثر عشر مدن اميركية قسوة وظلما»، حسب تشدد هذه القوانين. وجاءت ساراتوغا (ولاية فلوريدا) على رأس القائمة، لأنها اعطت الشرطة ليس فقط حق اعتقال المشردين، ولكن، ايضا، حق التحقيق مع كل من تشك فيه. وقال التقرير ان «اي شخص يجلس في شارع من شوارع ساراتوغا، ولا يرتدي ملابس نظيفة، ولا يحلق ذقنه يمكن ان يعتقل». وجاءت مدن اخرى في قائمة «المدن القاسية»، منها: اتلانتا، ودالاس، وهيوستن، ولاس فيغاس، وسانفراسسكو، وشيكاغو، ونيويورك، ولوس انجليس (عاصمة المشردين في اميركا).

وجاءت نيويورك بعد لوس انجليس في نسبة المشردين. واوضح تقرير «حلم ممنوع» ان عدد الذين ناموا في ملاجئ المشردين (التي توفرها البلدية) خلال ليلة واحدة في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، كان اكثر من ثلاثين الف شخص. ولم يشمل الرقم الذين ناموا في الشوارع والحدائق العامة وانفاق القطارات. زاد هذا العدد بنسبة خمسين في المائة عما كان عليه قبل خمس سنوات. وكون السود واللاتينيين تسعين في المائة من العدد، بينما يكونون نسبة خمسين في المائة من جملة سكان نيويورك.

وقالت ماريا فوسكارينيز انها لم تصدق «ان يوما سيأتي ويزور الولايات المتحدة مندوب من الامم المتحدة لبحث مشكلة التشرد»، كانت تشير الى زيارة ملون كوثاري، منسق السكن في لجنة حقوق الانسان التابعة للامم المتحدة. وهذا منصب جديد اسس قبل خمس سنوات. وكان كوثري قد وصف التشرد بأنه «عدم توفر مكان من جدران وسقف، ومستقر، ومتوفر، وكاف، وقريب من مرافق الحياة». وقال ان مائة مليون شخص في العالم ينطبق عليهم هذا الوصف. وان بليون شخص عندهم سكن لكنه يفقد واحدا او اكثر من المتطلبات السابقة.

لكن اذا كانت ظاهرة المشردين فى اميركا تستدعى كل هذا الاهتمام، فكيف يكون حال المشردين فى باقى العالم؟، يتركز العدد الاكبر من المشردين في المدن الصناعية، حيث تمثل اكواخ من الورق المقوى والعلب الورقية الفارغة وشرائح البلاستيك مشهدا مألوفا في الحدائق وعلى ضفاف الانهار. وحسب الاتحاد الاوروبي للمنظمات الوطنية العاملة مع المشردين، وهي هيئة مقرها بروكسيل تشكل مظلة لمنظمات المشردين، فان هناك ثلاثة ملايين مشرد على الاقل في دول الإتحاد الأوروبي هذا الشتاء وما بين خمس وثلث هذا العدد هم افراد في عائلات مشردة ولا تنام سوى نسبة بسيطة لا تتعدى 10% في فراش قاسٍ، فمعظمهم يتجمع في الملاجئ او المنازل المؤقتة، ويعيشون في اكواخ او ينامون في اسرة بمنازل الاصدقاء والعائلة. وقد زار منسق الامم المتحدة لشؤون السكن رومانيا، وركز على مشكلة الغجر، وقال انه زار منطقة فيها اربعمائة عائلة «تعيش في سكن غير مناسب». واعتبر الخيام التي يستعملها كثير من الغجر (لأنهم يتنقلون من مكان الى آخر) «سكنا غير مناسب». وانتقد حكومة رومانيا نقدا قويا، وقال انه قابل مسؤولين في منظمات غير حكومية، اشتكوا من تفرقة واضحة في كل مجالات الحياة. وشاهد لوحة اعلانات لايجار شقق سكنية استثنت الغجر.

ويعتبر الغجر حاليا اكثر المتشردين عددا وانتشارا في العالم. ولا ينطبق عليهم تعريف «التشرد» الاميركي، لأنهم يملكون «سكنا»، لكن الأميركيين يعتبرونهم فقراء ومضطهدين. ويعتبرهم منسق الامم المتحدة مضطهدين ولا يملكون «سكنا مناسبا» (رغم ان سكنهم «جدران وسقف»)، ولهذا زارهم عندما زار رومانيا. وتستعمل كل الدول والمنظمات كلمة «روما» لوصفهم، اشارة الى لغتهم «روماني»، وفيها كلمة «روم» ومعناها «شخص»، اي انهم يعتبرون نفسهم «اشخاصا»، كما اعلنت منظماتهم التي اعترضت على الاوصاف الاخرى واعتبرتها مسيئة. اعترضوا على «غجر» و «نور» العربيتين، و «كولي» الايرانية، و«سونيم» العبرية، و «جبسي» الانجليزية، و«زيغونر» الالمانية.

وقد هاجر الغجر من شبه القارة الهندية قبل الف سنة، ويقال انهم فعلوا ذلك لأكثر من سبب: اولا، كانوا طبقة اجتماعية مضطهدة ومعزولة. ثانيا، اشتراهم ملوك وغزاة نقلوهم الى ايران وافغانستان، وهربوا من هناك. ثالثا، هاجروا مثلما يهاجر كثير من المهاجرين، بحثا عن حياة افضل. واذا اعتبر الغجر «مشردين عالميين»، فإنهم اكثر عددا من اي مجموعة اخرى، بين عشرة ملايين وخمسة عشر مليون شخص، يعيشون في اكثر من ثلاثين دولة، معظمها دول في اوروبا. ويعتقد ان سبب تشردهم مزدوج: في جانب، يحتقرهم السكان الاصليون، لأنهم لا يندمجون معهم، ولا يستقرون في مكان واحد. وفي الجانب الآخر، يتحاشون هم السكان الاصليين، لأنهم يحتقرونهم (باعهم واشتراهم الاروبيون حتى القرن التاسع عشر).

أما في اليابان فقد بدأت ظاهرة التشرد تنتشر فيها بسبب التباطوء الاقتصادي، وكان التشرد قاصرا في السابق على طبقة العمال لكن مع موجة اشهار افلاس الشركات انضم موظفون إلى العمال في الشوارع، مما وسع من نطاق المشكلة لتشمل كذلك كافة الفئات العمرية. تفيد إحصائيات اعتبرها عدد من الأكاديميين «عشوائية وغير دقيقة» بأن عدد أطفال الشوارع في مصر يفوق المليون ونصف المليون، تشير أرقام أخرى إلى أن عددهم لا يتجاوز 90 ألف طفل. ألا أن مدير المشاريع في مؤسسة «كاريتاس» الخيرية العاملة فى مصر، فقال إنه «لا توجد إحصائيات دقيقة وشاملة بهذا الخصوص في مصر»، مضيفا أن تعريف أطفال الشوارع يأتي طبقا للمفهوم الخاص بالكلمة، أي من هم الذين ينطبق عليهم هذا الوصف؟ وأوضح أن صفة أطفال الشوارع تنطبق على من يمضون أوقاتهم ليلا ونهارا في الطرقات من دون مأوى، وهؤلاء لا يتجاوز عددهم 90 ألف طفل، أما الآخرون الذين يمضون نهارهم في التسكع ويعودون إلى أسرهم ليلا فهم أكثر من نصف مليون، وذلك فضلا عن حوالي أكثر من مليون طفل يعملون في مختلف المهن.

* من اليابان حتى جنوب الصحراء

* ـ وفقا لأرقام الأمم المتحدة فان هناك 100 مليون مشرد في العالم والرقم يرتفع إلى مليار إذا اعتمد تعريف من يعيش في مسكن غير لائق. ـ في اميركا وحدها يقدر أنه في أية لحظة من اللحظات هناك نحو 750 ألف شخص ينامون في العراء، وأن نحو 3 ملايين ينطبق عليهم تعريف مشرد سنويا.

ـ وفقا لاحصاءات صدرت في التسعينات، فإن عدد المشردين في دول الاتحاد الأوروبي في حدود 3 ملايين، وفي كندا 200 ألف وفي أستراليا نحو 99 ألفا.

ـ ارتفع عدد الذين بلا مأوى في اليابان مع تزايد استغناء الشركات عن موظفين وسط التباطؤ الاقتصادي، واظهر مسح اجرته وزارة الصحة اليابانية في وقت سابق هذا العام وصدرت نتائجه قبل ايام ارتفاع اعداد المشردين في اليابان بنحو 3600 إلى 24090 مشردا على الاقل هذا العام من 20451 في عام 1999.

* أرقام عام 2001 لسكان السكن العشوائي ومدن الصفيح*

* ـ شمال أفريقيا: 21 مليونا و35500 ألف نسمة (أي ما نسبته 28.2 % من السكان).

ـ أفريقيا جنوب الصحراء: 166 مليونا و208000 الاف نسمة (نسبة 71.9 % من السكان).

ـ أميركا اللاتينية وحوض البحر الكاريبي: 127 مليونا و566000 ألف نسمة (نسبة 31.9 % من السكان). ـ شرق آسيا: 193 مليونا و824000 ألف نسمة (نسبة 36.4 % من السكان).

ـ جنوب آسيا: 253 مليونا و122000 ألف نسمة (نسبة 59 % من السكان).

ـ جنوب شرقي آسيا: 56 مليونا و781000 ألف نسمة (نسبة 28 % من السكان).

ـ غرب آسيا: 40 مليونا و726000 ألف نسمة (نسبة 35.3 % من السكان).

* (المصدر: الأمم المتحدة ـ يو إن هابيتات)

* صحافة المشردين

* قال جيمس ديفز، رئيس تحرير جريدة «ستريت سنس»(عقل الشارع) التي يصدرها المشردون في واشنطن، انه لم يكن متشردا حتى قبل خمس سنوات، فقد تخرج بشهادة جامعية في «التكنولوجيا الإلكترونية وعلم الكومبيوتر»، كما قال. وعمل خبيرا في ادارة الفضاء الوطنية (ناسا)، لكنه فصل «لاسباب شخصية»، ولم يقدر على الحصول على عمل آخر بسبب كساد السوق الإلكتروني في ذلك الوقت، وقال «كنت اسافر من مدينة الى مدينة ومن مطار الى مطار، وأشاهد المتشردين، وأتقزز منهم، وما كنت اعرف انني، يوما ما، سأكون واحدا منهم».

وقال انه فكر في اصدار جريدة للمشردين في واشنطن عندما قرأ عن جرائد مماثلة في مدن اخرى، وساعده التحالف الوطني للمشردين، والمركز القانوني للتشرد والفقر (مركزهما في واشنطن). وأشار إلى انه فعل ذلك «لان اغلبية الناس لا تقرأ عن المتشردين، ولا تشاهدهم، ناهيك عن ان تقابلهم وتتحدث معهم وتفهم مشاكلهم. جريدة واشنطن بوست تنشر موضوعا عنا مرة كل سنة، عندما يبدع صحافي ويظن انه اكتشف موضوعا جديدا».

وتصدر جريدة «ستريت سنس» في عشرين صفحة، وتنشر مواضيع مثل «قتل البرد متشردا» و «اغلاق ملجأ لبناء متحف»، وفيها صفحة للكلمات المتقاطعة (معظم الكلمات لها صلة بالتشرد والفقر والظلم)، وصفحة للادب والشعر، وصفحة للكتب الجديدة (عن نفس الموضوع).

ونشرت صفحة الادب قصيدة «امل» التي كتبها ديفز، ومما فيها «امل صار يأسا. اصبح وجه الرجل عابسا. سال الدمع على عين الام الشابة. امل صار يأسا. يأس صار املا».

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Terms of use
شروط الانتفاع
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2014 © H H Saudi Research and Marketing LTD, All Rights Reserved And subject to Terms of Use Agreement .
© جميع الحقوق محفوظة للشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق وتخضع لشروط وإتفاق الإستخدام