الجمعـة 01 رمضـان 1430 هـ 21 اغسطس 2009 العدد 11224
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  







 

فقه الصوم

د. عائض القرني

الصوم في الإسلام مدرسة ربانية روحانية المقصد منها تقويم النفس وتهذيب الخلق وإزالة الأمراض القلبية من الكبر والعتو وأمراض النفس من الهم والغم والكدر، وفي الصوم قوام الصحة وإذهاب الفضلات وتعويد النفس على الصبر والتذكير بجوع الجائعين وظمأ الظامئين وحاجة المحتاجين وتوحيد حالة المجتمع، حيث يصومون سويا ويفطرون سويا. ووقت الصيام وقت معتدل بقدر استشعار الجوع والظمأ، وليس بطويل فيدخل الضرر منه على الجسم، ولهذا نهى الشارع عن مواصلة الصوم، أي مواصلة الليل بالنهار، وأمر بالفطر عند غروب الشمس.

وبالصوم تذكير للنفس الأمارة وتهذيب للنفس اللوامة وامتناع للنفس المطمئنة. وجعل الشارع الحكيم للصائم فرحتين؛ الأولى حين يتناول إفطاره فيفرح بعبودية الامتثال ونعمة الطعام والشراب ومشاركة المؤمنين وانتصاره على نفسه، والفرحة الثانية يوم يلقى ربه فيثيبه على صيامه ويكرمه على امتثاله.

وجعل الله ـ عزّ وجلّ ـ أجر الصيام كثيرا مفتوحا بلا عدد محدود فقال: «كل عمل ابن آدم له، إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به»، وحبّذ الصيام للصائمين وحببهم فيه وشوّقهم لهذا العمل الجليل فقال صلى الله عليه وسلم: «ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك».

ومن فوائد الصيام كسر الشهوة العارمة في النفس لمن لم يستطع الزواج، قال صلى الله عليه وسلم: «ومن لم يستطع (الزواج) فعليه بالصيام فإنه له وجاء»؛ أي كسر لشهوته.

وحينما يصوم المسلمون في وقت واحد ويفطرون في وقت واحد يشعرون بوحدة مجتمعهم وترابط أواصرهم وتقارب قلوبهم واجتماع كلمتهم وتآلف أرواحهم، فتجد الملك والغني والفقير كلهم يؤدون هذه العبادة في وقت واحد بكيفية واحدة كأنهم أسرة واحدة في بيت واحد فيتم الإخاء والمودة والصفاء والتآلف والرحمة.

والمقصد الأعظم من الصيام هو تقوى الله كما قال تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ»، فالصيام يساعد على رد النفس عن البغي والظلم والعدوان وتعدي الحدود؛ لأن الجائع الظامئ الممنوع من شهواته ينكسر جموح نفسه الأمارة فيسلس القياد لرب العباد ويصبح مخبتا منيبا؛ لأن الشبع وكثرة الشهوات والإسراف في تناول الملذات يصيب النفس بالأشر والبطر والعتو والعلو، فجاء الإسلام بعلاج مسكن ودواء مقبول يحصل به الأجر وتكفير الوزر وصلاح النفس ومشاركة المؤمنين وطاعة رب العالمين واتباع سيد المرسلين، ولهذا كان أهل الإيمان يتلذذون بألم الجوع ومشقة الظمأ وهم صائمون على حد قول أبي الطيب:

* إن كان سركم ما قال حاسدنا - فما لجرح إذا أرضاكم ألم

* بل إن سيد الخلق ـ صلى الله عليه وسلم ـ يجد من المعارف الربانية والفتوحات الإلهية والفيوضات الإيمانية ما يكفيه عن الطعام والشراب، ولهذا لما وصل الرسول صلى الله عليه وسلم الليل بالنهار في الصيام أراد الصحابة أن يواصلوا كما واصل فمنعهم وقال: «إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني»، وهذا الطعام والسقاء ليس بأكل ولا شراب، لأنه لو كان كذلك لما كان صائما صلى الله عليه وسلم، وإنما طعام اليقين والذكر والعبودية وزاد التقوى وحلاوة الطاعة، كما قال الأول:

* لها أحاديث من ذكراك تشغلها - عن الطعام وتلهيها عن الزاد

* ثم إن الأطباء جعلوا الصيام علاجا لبعض الأمراض ودواء من الأسقام، لأنه حماية للمعدة وراحة لها وتخفيف من الأخلاط واستفراغ للمادة الفاسدة، وقد سبقهم الإسلام إلى هذا المعنى؛ ففي الأثر: «صوموا تصحوا»، فصار الصيام صلاحا للقلوب والأبدان وشفاء من الأمراض ودواء من الأسقام، وفوق ذلك، امتثالا لأمر الشارع واقتداء بالنبي المعصوم صلى الله عليه وسلم وتعويدا للنفس على مشقة الحياة وعنت الطريق طول السفر إلى الآخرة وتدريبا للروح على ترك المعاصي واجتناب المحظورات، إلى غير ذلك من المنافع العظيمة والمقاصد الكريمة.

التعليــقــــات
حمد الصميلى / السعودية، «فرنسا ميتروبولتان»، 21/08/2009
نسأل الله أن يبلغنا رمضان نحن وانت يا إمام الدعاة وجميع المسلمين في اقطار الارض وان يوحد كلمتنا ويجمع شملنا وينصرنا على عدونا ويتقبل صيامنا وقيامنا ويؤلف بين قلوبنا إنه سميع مجيب .
محمد جاسم الحميدي، «المملكة العربية السعودية»، 21/08/2009
مشكور ياشيخ عايض
الصوم له فوائد كثيره جدا، وننصح الناس بالمزيد من التفقه في شأن الصوم باقتناء بعض الكتب المختصة في هذا الموضوع ‏مثل صفة صوم النبي صلى الله عليه وسلم وقراءه الكتب المفيده و المختصرة التي يوثق بمؤلفيها.‏ والمزيد من الأعمال الصالحه ولنستشعر هذا الشهر الفضيل.
والله يوفق الجميع لما يحب ويرضى.
وليد الشالجي، «فرنسا ميتروبولتان»، 21/08/2009
بوركت يا شيخنا الجليل وأنت تطربنا بموسيقى كلماتك في تبيان فضل وفضائل شهر رمضان وصيامه وقيام لياليه وحسن التقوى فيه ورضى الله عن عبده الذي استغل رمضان وأجاد في الأمتحان ...
حقا أنها كلمات جمعت التذكير والارشاد والفائدة بأسلوب سلس واضح يفهمه غزير العلم وقليله , وما يأتي بها الا شيخ الدعاة ... حفظك الله وأبقاك ذخرا للمسلمين , اللهم آمين ...
د.أحمد الرابعي، «البرازيل»، 21/08/2009
الحمد لله على نعمه التي لاتحصى ، ومنها وأجلها نعمة الإيمان . والصيام مدرسة تعيد للجسم توازنه ، وتعلم المسلم كيف يعنى بجسمه وروحه وعقله وعواطفه وعلاقاته بمن يعيش بينهم. والعناية بكل ذلك من خلال الصيام حيث يخف الجسم بتقليل الطعام والشراب خلال شهر كامل بعد أن كان منهمكا فيهما طوال أحدعشر شهرا، وتقوية الروح بتلاوة القرآن الكريم ، وصلوات القيام . وتدبر الذكر الحكيم يقوي الفكر والفهم والتعلم ، وهو مايغذي العقل . ويقوي الصيام العواطف الأخوية بحب الآخرين والعطف عليهم وتذوق معاناة الجائعين طوال العام ، وهي عواطف تعنى بالعلاقات الاجتماعية بين المسلمين .
شكر الله لأستاذنا الكريم تذكيرنا بفريضة الصيام الذي هو من نعم الله علينا. وغدا هو أول أيام رياضة النفس ، وتهذيب الأخلاق ، وبناء قيم الخير في نفوس الصائمين والصائمات . فهل نحرص على الصيام ، وتلاوة القرآن في الشهر الذي أنزل فيه ؟ أم يكون حرصنا على موائد الشحوم واللحوم والفواكه والمشروبات أكثر كما هو واقع الحال للأسف الشديد!!! إن كثيرا من المسلمين حولوا شهر الصيام إلى شهر إسراف في الطعام والشراب ، والسهر على موائد لعب الورق بدلا من العمل النافع .
نعمان طواف، «الولايات المتحدة الامريكية»، 21/08/2009
نفع الله بك ياشيخ عائض كما نسأل الله عزوجل ان يجعل شهر رمصان صلاحا للاسلام والمسلمين ومغفرة لكل ذنوبهم وهداية لكل ضال كما يجب علينا ان نستغل هذه الفرصة في هذا الشهرالكريم لتصحيح اخطائنا وتصفية حساباتنا والعودة الى بارئنا قال عليه الصلاة والسلام الصلاة الى الصلاه والجمعه الى الجمعه ورمضان الى رمضان مكفرات لما بينهما مالم يجتنب الكبائر.
هادي يحيى، «المملكة العربية السعودية»، 21/08/2009
نفع الله بك يا شيخ وكتب هذا المقال في موازين حسناتك. المشكلة أن الناس لا تستكمل فوائد الصوم على الوجه المطلوب حين تجعل من موائد الإفطار فرصة للانتقام من الساعات التي قضوها ممتنعين عن الأكل والشرب وليس استعانة على تعزيز فوائد الصوم على الصحة والبدن.
سهيل اليماني، «اليمن»، 23/08/2009
جزاك الله خيرا يا شيخ عائض.
وشهركم مبارك.
 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Terms of use
شروط الانتفاع
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2014 © H H Saudi Research and Marketing LTD, All Rights Reserved And subject to Terms of Use Agreement .
© جميع الحقوق محفوظة للشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق وتخضع لشروط وإتفاق الإستخدام