الاثنيـن 22 رمضـان 1429 هـ 22 سبتمبر 2008 العدد 10891
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  







 

بِمَ تعرف العاقل؟

د. عائض القرني

العقل أعظم هبة من الخالق للمخلوق، فهو الفارق بين الإنسان والبهيمة، وبقدر غزارته وجودته يختلف الناس، فالعاقل كبير القدر عظيم الخطر، جليل الشأن، تلمحه العيون، وتشيعه القلوب. وقليل العقل سفيه طائش، حقير تافه، سخيف أحمق. يعرف العاقل بقراءة العواقب، وصدق الظن، ونضوج الفكرة، وصحة الظن، وسلامة الدليل، وحسن الاختيار، وبراعة الرد، والوقوف عند الشبهة، والحمية من الريب، والصيانة من التهم. والعاقل متدرع من الأزمات برأي كالصبح إذا تنفس، ومتحصن في المهالك بفكر كسنا البرق الصادق. والعاقل الفطن الموفق من قبل نصح الناصح بأخصر عبارة وعرف الحق واتبعه بأدنى إشارة.

والعاقل من لا يتلذذ إلا بالأمور النفسانية الباقية والغبي عن حقائق أحوال المحسوسات وإيذانها باللذات يجعل عينه على ما زين من الأرض بصنوف الزينة ووشح به من زخارف البهجة التي تطرب الحيوان غير الناطق فيلعب فيها ويتمرغ في لينها وتأخذه الأريحية من روائحها.

والعاقل من يفكر في المواقف التي تجابهه، فيستثمر علمه وتجربته وما وصله من هدي إلهي في الموازنة والترجيح؛ ليصل إلى قرار حكيم يناسب الموقف الذي هو فيه، فيختار ما أداه إليه عقله وتجربته وفهمه لأحكام دينه حلا وحرمة وجوازاً وغير ذلك.

والعاقل من إذا رجع إلى نفسه وعقله أدنى رجوع عرف افتقاره إلى الخالق ـ تعالى ـ في تكوينه وبقائه وتقلبه في أحواله كلها، وإذا نظر إلى الخلائق علم فقرهم كلهم إلى الخالق في كل شيء؛ فقراء إليه في الخلق والإيجاد، وفي البقاء والرزق والإمداد، وفقراء إليه في جلب المنافع ودفع المضار. وعرف أنه منهم، وحاجته لا تقل عن حاجتهم.

والعاقل من إذا تأمل في المخلوقات التي تولد كل يوم، من إنسان وحيوان، وتفكر في كل ما يحدث في الوجود من رياح وأمطار، وليل ونهار، وما يجري في كل حين من حركات منتظمة للشمس والقمر والنجوم والكواكب، إذا تأمل العاقل في هذا فإنه يجزم بأن هذا كله ليس من صنع العدم، وإنما هو من صنع الخالق الموجود سبحانه وتعالى.

والعاقل هو الفطن المتغافل عن الزلات وسقطات اللسان إذا لم يترتب على ذلك مفاسد. وقد قال ـ عز وجل ـ في صفات عباد الرحمن: «وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا».

أما ضعيف العقل فكلامه قبل رأيه، وفعله قبل تصوره، وهو من حمقه في ظلمات، ومن سفهه في ضلالات، يحفظ غير ما يسمع، ويفهم غير ما يحفظ، ويقول غير ما يعتقد، يقدم المؤخر، ويؤخر المقدم، الكبار في عين وهمه مصغرة، والتوافه في جفن كراه مضخمة، يُحجم وقت الإقدام، ويقدم وقت الإحجام. «وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ».

التعليــقــــات
مها اليامى باريس فرنسا، «فرنسا»، 22/09/2008
بارك الله فيك واتم علينا نعمة العقل.
محمد ابراهيم، «فرنسا»، 22/09/2008
جزيت خيرا شيخنا الفاضل و بارك الله فيك ونفع بعلمك وعملك.
Hamad alqahtani، «فرنسا ميتروبولتان»، 22/09/2008
دائما متميز وعاقل بمقالاتك يا شيخ عائض بارك الله فيك.
وقال الشاعر: أقبل على النفس وأستكمل فضائلها * فأنت بالنفس لا بالجسم انسانـا.
عبد العظيم المغربي، «المملكة المغربية»، 22/09/2008
جزاك الله بكل خير ياشيخنا الكريم عن هذا المقال فاللهم زده من علمك واحفظه انك انت الحفيظ. فانا نراك بعين المحبين وانت ترانا بعين المحسنين وكل منا على ود وكل منا على حب.
فهد، «فرنسا ميتروبولتان»، 22/09/2008
جزالك الله خيرا يا شيخ على ما سطرته اناملك من درر.
ضياء عبدالخالق...العراق، «فرنسا»، 22/09/2008
الاستاذ الفاضل انا معجب جدا بمقالاتكم لما فيها من الصدق والواقعية والمصداقية سدد الله خطاكم وجعلكم من المصلحين والمقربين بين المذاهب والوسطين في دينهم وابعد الله عنك كل مكروه.
طلال الصالح، «فرنسا ميتروبولتان»، 22/09/2008
لله درك وجعل الله عز وجل الجنة مقرك، حللت في نجد فعانقت المجد وشربت من نهر الكتاب والسنة، فارتويت فاسالت اودية العلم منك بقدرها الذي قدره الله عز وجل جئت على قدر وكنت اسما على مسمى فعوضك الله واواك ونصرك وارجو ان تؤلف كتابا بعنوان بلاد الافراح (الجنة) يكون مكملا لكتاب (لا تحزن).
يوسف عمر، «فرنسا ميتروبولتان»، 22/09/2008
الله يجزاك بالخير. والحمد لله على كل النعم التي رزقنا بها الخالق عز وجل.
 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Terms of use
شروط الانتفاع
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2014 © H H Saudi Research and Marketing LTD, All Rights Reserved And subject to Terms of Use Agreement .
© جميع الحقوق محفوظة للشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق وتخضع لشروط وإتفاق الإستخدام