موسكو - لندن: «الشرق الأوسط» وا ف ب
تعتبر منطقة القوقاز التي شهدت عملية احتجاز الرهائن الدامية في احدى مدارس جمهورية اوسيتيا الشمالية التابعة لجمهورية روسيا الاتحادية «منطقة ساخنة» تاريخياً قلّما هدأت النزاعات بين قومياتها وفئاتها المتعددة. تمتد هذه المنطقة على حوالي 440 الف كلم مربع وتتضمن سلسلة جبلية تشكل حاجزاً طبيعياً وثقافياً طوله 1250 كلم ويصل ارتفاعه في المنطقة الوسطى الى اكثر من اربعة الاف متر، في حين يتكون جنوب القوقاز من ثلاث دول استقلت عن الاتحاد السوفياتي عام 1991 هي جورجيا وارمينيا واذربيجان.
توجد في شمال المنطقة جمهوريات روسيا الاتحادية السبع الذاتية الحكم وهي الشيشان وانغوشيتيا (الانغوش) وداغستان واوسيتيا الشمالية والقره تشاي ـ الشركس واديغيا (الأديغه) وكاباردينو ـ بلكاريا (القبرطاي والبلكار). وتتميز هذه الربوع التي عرف الجغرافيون العرب والمسلمون جهاتها الجبلية الشرقية حيث داغستان (التي تعني حرفياً «موطن الجبال او موطن أهل الجبال») بـ«جبال الألسن» حيث تقطن في الوديان المنعزلة شعوب تتكلم لغات مختلفة وتنتمي لأعراق متعددة. وكان الزحف العربي الاسلامي قد توقف مؤقتاً في ذلك الحين عند دربند في شمال آذربيجان عند تخوم داغستان، وقد دعيت دربند في ذلك الحين «باب الابواب».
وبالفعل تنتشر في هذا الجزء من القوقاز اللغات الآرية (الهندو ـ اوروبية) مثل الارمينية والاوسيتية (الايرانية) والكردية، واللغات التركية مثل الاذرية والكوميك والنوغاي والقره تشاي والبلكارية، وهي اللغات التي دخلت المنطقة على مدار التاريخ بخلاف اللغات القوقازية الاصلية، التي تشكل أساسها اليوم اللغات الجورجية الكارتفيلية واللغات الناخية (الشيشان والانغوش) والشركسية بمجمل تفرعاتها (الابخاز والاديغه والاباظة وغيرها).
ولئن كانت المسيحية قد انتشرت في المنطقة منذ القرون الميلادية الاولى، فان الاسلام لم يدخلها الا في وقت متأخر بعد الهيمنة العربية القصيرة عليها في القرن السابع الميلادي. أما العرقيات القوقازية المسلمة الرئيسية فهي الشركس وابناء عمومتهم من الاديغه والقبرطاي، ثم هناك الانغوش والشيشان، ثم شعوب داغستان وأبرزها الآفار والدارغين والليزغين. أما الأوسيتيون الذين يتكلمون لغة شقيقة للفارسية الايرانية فهم من القوميات القليلة في المنطقة ذات الاغلبية المسيحية.
نتيجة لكون منطقة القوقاز مفصلا بين الشرق والغرب، فانها كانت على الدوام بؤرة صراع وتنافس للقوى الاقليمية. فقد كانت مسرحا لصراع نفوذ بين الامبراطوريتين الفارسية والتركية قبل خضوعها للهيمنة الروسية، وما صاحبها في عهد الزعيم السوفياتي الجورجي الأصل جوزيف ستالين من تجزئة جغرافية عشوائية اشعلت فتيل النزاعات المحلية.
ففي عام 1722 كانت حملة بطرس الاكبر، قيصر روسيا، على ايران الاولى من سلسلة نزاعات طويلة مع الامبراطوريتين العثمانية التركية والايرانية (بمختلف سلالاتها)، وانتهت بسيطرة الروس نهائياً على المنطقة.
الا ان الغزو الروسي اصطدم في القرن التاسع عشر بمقاومة شرسة في شمال القوقاز من سكان الجبال المسلمين تحت قيادة الامام شامل الداغستاني المدعوم من الشيشان. وبعد هزيمة القوميات القوقازية الرئيسية المتحالفة عام 1859 فانها سلكت طريق الهجرة المكثفة الى اراضي السلطنة العثمانية. وعملا على قطع الطريق امام ظهور اي نعرات وطموحات قومية عمد النظام القيصري الروسي، وبعده النظام السوفياتي الى عمليات تهجير جماعي قسري. وفي عام 1944 أمر ستالين بنقل اعداد كبيرة من الشيشان والانغوش الى سيبيريا والى آسيا الوسطى بتهمة «التعاون» مع النازيين.
ثم لدى انهيار الاتحاد السوفياتي السابق، كانت القوقاز مسرحاً للحرب الاولى في اراضي الامبراطورية الشيوعية المنهارة مع اندلاع القتال عام 1980 بين الارمن والاذربيجانيين بسبب اقليم ناغورنو قره باغ (قره باغ العليا) الواقع في اراضي اذربيجان ويشكل الارمن غالبية سكانه. ومنذ ذلك الحين ونيران النزاعات مشتعلة في المنطقة.
ففي العام ذاته شهدت اوسيتيا الشمالية نزاعاً دامياً مع انغوشيتيا المجاورة اوقع اكثر من 500 قتيل. كما اعلنت جمهورية ابخازيا الذاتية الحكم داخل جمهورية جورجيا استقلالها من جانب واحد عن سلطات تبيليسي (تفليس) لتشتعل الحرب لمدة عام بين القوات الابخازية الانفصالية والقوات الجورجية انتهت بانتصار الابخاز بدعم مفترض من موسكو لكن بعد سقوط الاف القتلى.
وعام 1994 حاول متمردون جاءوا من الشيشان تأسيس جمهورية اسلامية مستقلة في داغستان في الوقت الذي اوقعت اعتداءات لم تتبنها اي جهة 300 قتيل في روسيا في سبتمبر (ايلول) من العام نفسه. وللمرة الثانية تدخل الروس في الشيشان في أول اكتوبر(تشرين الاول(1999 لضرب الحركة الاستقلالية في الجمهورية الذاتية الحكم.
وأخيراً اشتعلت التوترات من جديد في اوسيتيا الجنوبية (التابعة لجورجيا والمتاخمة عبر الحدود الروسية الجورجية لأوسيتيا الشمالية) مع سعي الرئيس الجورجي الجديد ميخائيل ساكاشفيلي ـ المدعوم من واشنطن ـ الى اقرار سلطة تبيليسي في هذه المنطقة.