د. عبد الرحمن الشبيلي*
موسكو 17 شعبان 1423هـ ـ 23 أكتوبر 2002م
أطبقت على العلاقات السعودية ـ الروسية ـ ابان الحقبة الشيوعية ـ فترة معتمة دامت أكثر من نصف قرن، لم يكن الفرد السعودي، في معظمها، يتذكر من روسيا سوى ما كانت تختزنه ذاكرته عن علماء أمجاد ينتمون إلى مدن إسلامية تابعة لها، أو كانت خاضعة للاتحاد السوفييتي.
وهذه المشاركة، التي أعدت في عجل، وإن كان عنوانها يحصرها في إطار زمني محدد، وهو القرن المنصرم، وبما يسمى جغرافياً روسيا الاتحادية حالياً، قد تحلّق متجاوزة حدّيها الزماني والمكاني، حيث يصعب الالتزام بدقة ببداية القرن ونهايته في مثل هذا الموضوع، كما يصعب التفريق ثقافياً بين روسيا اليوم والاتحاد السوفييتي أمس، ولا بد من عودة إليه، تعيد صياغته بشكل أوسع في مضمونه، وأدق في مفرداته.
على أن الأرشيف الديبلوماسي لتاريخ بلاد الحرمين الشريفين، يسجل بأن روسيا القيصرية، كانت تقيم لها قنصلية في جدة منذ عام 1892، وأن روسيا السوفيتية كانت أول حكومة اعترفت بسلطة الملك عبد العزيز رحمه الله على الحجاز (16/12/1926)، وأنها رفعت تمثيلها الديبلوماسي إلى مفوضية (1929)، قامت بدور كبير في الاهتمام بشؤون الحج وتنمية العلاقات السياسية، ورعاية المصالح الاقتصادية، وزيادة حجم التبادل التجاري، وأعطى افتتاح تلك القنصلية ومن ثمّ المفوضية، دليلاً قوياً على أهمية بلاد الحرمين الشريفين في نظر الروس، وعلى قدم التواصل بين شعوب تلك البلاد.
ويذكر التاريخ الديبلوماسي لتلك الفترة اسم الأمير لطف الله الذي كان على ما يبدو يمثل الحجاز في عهد الأشراف في موسكو في بداية علاقاتهما، أما بالنسبة للممثلين الروس فإن أبرزهم اثنان: اهتم الأول منهما بتنمية الصلات الروحية والثقافية وهو عبد الكريم (كريم) حكيموف، بينما اهتم الثاني وهو نذير توراكلوف بالعلاقات التجارية.
ولأن كريم حكيموف عاش فترة انتقال الحكم في الحجاز من الهاشميين إلى السعوديين، فقد أسهم في تأسيس العلاقات مع الدولة الجديدة، وصار عميداً للسلك الديبلوماسي في جدة، وهو مسلم من أصل تتري يجيد الفارسية والتركية الى جانب لغته الأصلية الروسية، وقد عاد وزيراً مفوضاً في الحجاز مرة أخرى (1936/2/22)، لكن فترة إقامته الثانية لم تدم طويلاً، إذ استُدعي في غضون عامين وتم قفل المفوضية في عهد ستالين (1938/10/11)، وكان مصير الإعدام في انتظاره.
ومن بين الديبلوماسيين الروس في جدة في تلك الفترة، الكاتب مويس مارلوفيتش اكسلو الذي سطّر مقالات مؤيدة للملك عبد العزيز، والطبيب سيتبكوف الذي استقر في الحجاز بعد غلق المفوضية وعمل في أحد المستشفيات السعودية.
وتشير بعض المصادر إلى ذلك الاتصال المبكر من قبل الروس بالإمام عبد الرحمن (والد الملك عبد العزيز مؤسس المملكة العربية السعودية رحمهما الله)، في أثناء مكوثه وأسرته لاجئين في الكويت في مطلع القرن الماضي، وكنت قد سألت ابنه الأمير مساعد بن عبد الرحمن رحمه الله (بتاريخ 1976/3/27)، عن حقيقة ذلك وهو ـ كما هو معروف ـ مثقف ومحقق بارز في الأسرة السعودية الحاكمة، لكنه لم يؤكد حدوث أي اتصال رسمي، ويعتقد إن كان قد حدث شيء من ذلك فربما كان باجتهاد من أحد المستشرقين، وخلال عهد روسيا القيصرية قبل حدوث الثورة البلشفية.
وفي تقديري أنه لم يكن يعادل سبقهم في الاعتراف بقيام الدولة السعودية في الأهمية، إلا تلك الزيارة التاريخية الرائدة التي قام بها الأمير فيصل رحمه الله ـ بوصفه وزير الخارجية السعودي ونائب الملك في الحجاز ـ إلى موسكو في أواخر شهر مايو 1932، قاصداً دعماً سياسياً واقتصادياً وعسكرياً لبلاده، التي كانت على وشك إعلان توحيدها جغرافياً وسياسياً، تحت اسمها الحالي ـ المملكة العربية السعودية ـ في العام نفسه.
وكان مما سجله تاريخ العلاقات الجيدة بين البلدين في الثلث الأول من القرن الماضي، مشاركة روسيا السوفيتية في المؤتمر الإسلامي العالمي الأول المنعقد في مكة المكرمة عام 1926 بشخص العلامة موسى جار الله (من قازان)، وكذلك إسهام روسيا في توفير وسائل الاتصال اللاسلكي، عندما كانت بلادنا تفتقر إلى أدناها ولا تمتلك المال لشرائها، إذ أهدت موسكو (20) محطة لاسلكية إلى المملكة العربية السعودية تم توزيعها في أرجاء البلاد، وكان لتلك الهدية دلالاتها الودية والاقتصادية (جريدة «أم القرى»، العدد 499، لسنة 1934).
ثم حالت السياسة، طيلة خمسين عاماً ونيّف، دون أن تتصل بلاد البخاري والترمذي والخوارزمي وابن سينا مع أرض الحجاز، مع أن صلتهما لم تنقطع طيلة القرون العشرة الماضية، كانت الشعوب فيها رغم بُعدها الجغرافي، على أعلى ما تكون الأفئدة قرباً ووثوقاً، وكان الحاج من طشقند وداغستان (محج قلعة) ودربند وقازان والشيشان وتترستان واستراخان وسمرقند وخوارزم وبخارى يمشي شهوراً راجلاً، أو ممتطياً دابّته ليأوي إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة، يقيم فيهما ردحاً من الزمن أو يمضي بقية عمره، يعلّم فيهما ويتعلم، ويتبادل فيهما ثقافته، لأنه يرتبط معهما برباط روحي إيماني وثيق.
وكانت روسيا، قبل عهد ستالين، تموّن الحجاز ببعض احتياجاته من المنتجات البترولية والحبوب والسكر، لكنها سرعان ما توقفت في الأربعينات، اللهم إلا من تسرّب أنواع من السيارات الروسية (موسكوفيتش) كانت تصل إلى بلادنا مباشرة أو عبر وسيط ثالث، والتي مع رخص قيمتها سرعان ما أزاحتها السيارات اليابانية والكورية.
وبالإضافة إلى ذلك، أسهمت ظروف الحرب العالمية الثانية، وما خلفتها من تداعيات سياسية وآثار عقدية وفكرية وانكماش في الاقتصاد العالمي، في تراجع هذا التواصل المادي والثقافي بين آسيا الوسطى والجزيرة العربية، حتى أصبح الحج من الاتحاد السوفيتي وما جاوره يعد بالعشرات بعد أن كان يعد بالمئات أو بالآلاف.
وهكذا شهد القرن الماضي أشكالاً متفاوتة من الصلات السياسية والثقافية والاقتصادية، تراوحت بين دفء وبرود، وامتداد وانكماش، لكن ملامح التأثير الديني في روسيا، وملامح التأثير الاجتماعي والثقافي في الحجاز، بقيت ماثلة للعيان على النحو الذي سنذكره بإيجاز ـ على سبيل المثال ـ في المؤثّرات الرئيسية الآتية:
1 ـ الحج والمؤثرات الدينية.
2 ـ الهجرات التركستانية (البخارية) إلى الحجاز.
3 ـ ثقافة الاستشراق وجهود الرحّالة وكتب المؤرخين.
4 ـ العلاقات الثقافية المنظّمة.
* أولا: الحج والمؤثرات الدينية:
* لعل من أفضل من درس تأثيرات الحج والعوامل الدينية الإسلامية في المجتمع الروسي، وانعكاساتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وبخاصة بعد ضم تركستان (والشيشان والداغستان وتترستان وأوزبكستان وقازاقستان وقرغيستان وتركمانستان وأذربيجان) إلى روسيا عام 1898، وزيادة أعداد المسلمين الخاضعين للامبراطورية الروسية، هو ما كتبه الضابط الروسي عبد العزيز دولتشين المولود عام 1861، وكان يتحدث العربية والفارسية والتركية والفرنسية والإنجليزية، والذي قام برحلة سرية للحج عام 1898، حيث قدّم رواية وصفية شملت رحلات الحج من روسيا في تلك الفترة (نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين)، وغطّت مظاهر الروابط التاريخية بين شعوب آسيا الوسطى وبلاد الحرمين الشريفين، كما قدم سرداً لتاريخ الإسلام السياسي في روسيا، وبدايات الاهتمام بظاهرة تنامي الروح الدينية في الأقاليم الخاضعة لها، وإنشاء المساجد والمراكز الدينية ونشر الكتب، وترجمات معاني القرآن الكريم، مما دعا القيادات السياسية الروسية إلى جمع المعلومات عن دور الإسلام في الحياة الاجتماعية والسياسية للسكان المسلمين في روسيا.
وقد اكتسب الحج أهمية خاصة لأنه سبيل لتسرب مختلف المذاهب الاسلامية الى روسيا، كما وُجد في التجمع ذاته في الحج وسيلة لدراسة التوجهات السياسية وكسب تأييد المعسكرات المتضادة الممثلة فيه، كما انتقلت بواسطته بعض العبادات والطرائق والأفكار والعادات الدينية، فضلاً عن انتقال الكتب والمطبوعات الإسلامية المؤثرة.
وصف هذا الكتاب الذي نشره يفيم ريزفان (بيروت 1944، ط 3) الدروب الرئيسية للحج الروسي، وتكاليفه، وأعداده، وفئاته، والمدد التي يستغرقها، والجاليات المستقرة في الحجاز من روسيا، والأوضاع الصحية بين الحجاج، ومأكولاتهم ووسائل مواصلاتهم، والمخاطر والابتزازات التي يتعرضون لها في طريقهم، ثم تحدث عن تأثير الحج على المسلمين القادمين من روسيا وتأثيرهم في الحجاز والدوافع التي تدفعهم للحج.
لقد ذكر الكتاب على سبيل المثال أن عدد الحجاج القادمين من روسيا في نهاية القرن التاسع عشر بلغ نحو (3500) من أصل ما يقرب من إجمالي مائة ألف حاج من أنحاء العالم الإسلامي، كما ذكر أسماء مطوفين من أصول تركستانية (بخارية) يتولون أمر الحجاج القادمين من روسيا، وقدم الكتاب إحصائيات توضح تناقص أعداد الحج من روسيا بعد الحرب العالمية الثانية، حيث أصبح يقاس بالعشرات، بشكل لا يتناسب مع مجمل عدد المسلمين في روسيا.
وقد بلغ من اهتمام الروس بالدراسات المتصلة بالإسلام والمسلمين أن قاموا منذ عام 1910 بترجمة أبرز كتب الرحالة والمستشرقين، مثل ذلك الوصف الذي ألّفه الرحالة الهولندي سنوك هورخرونيه عن وصف مكة المكرمة 1885، وكذلك كتاب رالي: «مكة المكرمة في أوصاف الأوروبيين».
وبالإضافة إلى كتاب عبد العزيز دولتشين هذا، أشير إلى كتاب قديم نادر طبع في روسيا بالعربية قبل مائة عام يحكي (أخبار التتار والبلغار) للشيخ الرمزي، ولعل أبرز ما تضمنه قائمة بعلماء روسيا من ذوي العلاقة ببلاد الحرمين الشريفين مطلع القرن الماضي.
* ثانيا: الهجرات التركستانية (البخارية) إلى الحجاز:
* يثبت عدد من المؤرخين والرحالة والمستشرقين، أن مهاجرين ومجاورين من أبناء شعوب وسط آسيا أو من يطلق عليهم مصطلح «البخارية»، أو قديماً «الموسكوف»، كانوا موجودين في الحجاز قبل القرن التاسع عشر، وأصبحوا جزءاً من بنية الحياة الاجتماعية اليومية المكية والمدنية، جنباً إلى جنب مع هجرات مصرية وتركية وملاوية وهندية وافريقية أخرى.
لقد ذكر الضابط الروسي عبد العزيز دولتشين ـ السابق ذكره ـ الذي زار الحجاز في حج عام 1891، بأنه كان يوجد في المدينة المنورة (31) عائلة من التتر من رعايا روسيا هاجرت إلى الحجاز في أزمان سابقة وأسباب مختلفة، وسكنت في ضاحية (المناخة) برئاسة الحاج عبد الستار، الذي استقر في الحجاز منذ (40) عاما، وكان نزح من محافظة استراخان، وأن التتار المدنيين قد جاوروا منذ عام 1892، بعد اضطرابات حدثت بينهم، وأن أكثرهم حرفيون، والتحق أبناؤهم بالمدارس الدينية، وتزوجوا، وأنهم كانوا يكتسبون لقمة عيشهم من خدمة حجاج روسيا، أو بالقيام بالحج وكالة عمن تمنعهم ظروف من ذلك (حجاج البدل)، وقد قاموا بجمع التبرعات من روسيا لإقامة مسجد ورباط مجاور وهم يسعون لجلب أسرهم.. الخ، وكان عزيز ضياء، وهو من أبرز أدباء الحجاز ومفكّريه في القرن الماضي، ذكر في كتابه: «حياتي بين الجوع والحرب والحب»، أن والده ضياء الدين زاهد (وهو من قازاقستان)، الذي استوطن الحجاز قد سافر إلى روسيا في حدود عام 1918، لجمع تبرعات لإقامة نواة لجامعة في المدينة المنورة لكنه فُقد إبان الحرب ولم يعد إليها.
ويرى الدكتور عبد الرحمن مرغلاني، الأستاذ في جامعة أم القرى، أن هجرة جاليات وسط آسيا قد تمت على ثلاث مراحل، كانت بوادرها في سنة 1885، ثم في مطلع القرن العشرين (في حدود عام 1917)، عند قيام الثورة البلشفية، وبلغت حدتها في سنة 1933، حيث وفدت مئات من التركستانيين (ومنها الطاشكندي، والقوقندي، والمرغلاني، والانديجاني)، وأن من بين هذه الجاليات علماء وحرفيين نقلوا معهم معارفهم وثقافاتهم، وكان من أبرز علمائهم الذين استقروا في الحجاز السيد محمود ومبشّر الطرازي وحامد النمنكاني وسلطان المعصومي ومحمد مخزوم وأسعد الحسيني وعبد الله نيازي.
وبينما تذكر الدراسات أن بعض تلك الهجرات كانت من كبار السن والمنقطعين عن أقاربهم، يشير الدكتور محمد سعيد بخاري، الأستاذ في جامعة أم القرى إلى أن أعداداً منهم كانت من صغار السن من أبناء العلماء والتجار، وأن أغلبهم مر في أفغانستان وباكستان للتزوّد ببعض العلوم، وقد أكرم الملك عبد العزيز وفادتهم، وربما يكون هو الذي اختار الطائف مقراً لإقامة معظمهم، حتى أن حياً كاملاً في الطائف (الشرقية) يسمّى باسمهم.
وكان من أبرز آثار الطوائف القادرة من هذه الجاليات، جهودها الجماعية في إقامة الأربطة والأوقاف التي يعود تاريخ بعضها في مكة المكرمة والمدينة المنورة الى ما يقارب مائتي عام، وقد سميت هذه الأربطة الخيرية ـ التي كانت توقف على إسكان الحجاج وطلبة العلم وتغذيتهم أحياناً ـ سميت بأسماء مدن تميز تلك الجاليات (كالقستي والسمرقندي والقوقندي والأنديجاني والنمنكان ونحوها)، وقد تلحق بها مدارس لتحفيظ القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، مع استخدامها لإقامة المناسبات الدينية والولائم الخيرية وإطعام المحتاجين.
وكتب الدكتور أبو بكر باقادر، الأستاذ في جامعة الملك عبد العزيز بجدة، بحثاً حول هذا الموضوع نشر في مجلة (دراسات شرقية، باريس 1994)، أشار فيه إلى أن اختيار الطائف مركزاً لبعض هذه الهجرات يعود إلى أسباب مناخية، وأن معظمها قد تم في الأربعينات، في إثر ضم منطقة تركستان إلى روسيا، وقد جاء بعضها في شكل فردي أو جماعي.
ويظهر الدكتور باقادر، أن عملية الهجرة كانت تكلف كثيراً من الوافدين ثرواتهم، مما جعل معظمهم يبدأ من الصفر في أماكن هجرتهم في مكة المكرمة والمدينة المنورة وجدة والطائف، كما يقدر عدد تلك الجاليات بنحو خمسين ألف شخص.
ونظراً لانقطاع الصلة المباشرة لمعظم تلك الجاليات المهاجرة مع مواطنهم الأصلية، ولما يتطلبه الاندماج في المجتمع الحجازي، فإن البعض يرى في علاقته بالمجتمع الأصلي علاقة رمزية، ويسعى للتأكيد على هويته السعودية وحذف ما يشير إلى جذوره القومية والحرص على التزاوج مع الأسر المحلية، أسوة بالجاليات المهاجرة الأخرى، ويتركز نشاط معظم تلك الجاليات في التجارة، وفتح المطاعم، حيث نجحت في إشاعة مأكولات معينة أصبحت مع السنوات جزءاً من الوجبات الوطنية، كما انخرط جزء منهم في الوظائف الحكومية عامة وفي التخصصات الأمنية بخاصة، والتحق أبناؤها بدراسات الشريعة والطب والهندسة والمكتبات على وجه الخصوص.
وتشير ورقة الدكتور باقادر، إلى أن الانفتاح السياسي والاقتصادي في روسيا في العقد الماضي، ساعد في زيادة عدد الحجاج، ونمو حجم التبادل التجاري، وفي إيجاد جسور جديدة تعزز الترابط بين هذه الجاليات ومواطنها الأصلية، وتنشّط التواصل الثقافي والاقتصادي معها.
* ثالثا: ثقافة الاستشراق وجهود الرحّالة وكتب المؤرخين:
* رغم أهمية الاستشراق الروسي، الذي ألّفت عنه الكتب، وكتب عنه العديد من الأبحاث، وبالرغم من كثرة المستشرقين والرحالة الروس، إلا أن القليل منهم زار الأراضي المقدسة ـ ربما لأسباب دينية ـ لكن القاسم المشترك الأهم في كثير من الدراسات الاستشراقية الروسية كان يقوم على تحليل الروابط الدينية بين روسيا وبلاد الحرمين الشريفين، والاهتمام بالحج على أساس أنه أحد دوافع الرحلات، وأحد أبرز مظاهر التديّن للمسلمين، كما عنيت بترجمات معاني القرآن الكريم وصحيح البخاري وعيون الكتب الإسلامية والعربية.
لقد كتب كثيرون عن الاستشراق الروسي، ومنهم نجيب العقيقي الذي خصّص الفصل التاسع عشر من كتاب (المستشرقون، دار المعارف بمصر 1965)، للحديث عن الدراسات الاستشراقية في روسيا، وكتب سهيل فرح في عام 1983، بحثاً عن الاستشراق الروسي (مجلة الفكر العربي)، كما كتب ساسي سالم الحاج بحثاً عن خصائص الدراسات الاستشراقية في الاتحاد السوفيتي (الجامعة المفتوحة، طرابلس)، وكتب تركي علي الربيعو بحثاً عن الخلفية التاريخية للدعوة الوهابية في منظور الاستشراق الروسي (مجلة الاجتهاد، بيروت، صيف وخريف 2000)، وهي نماذج من دراسات أكثر لمن أراد العودة إليها، وفي كل هذه الأبحاث وغيرها من الدراسات وكتب الرحلات، يجد المرء الشيء الكثير عن الروابط الثقافية بين الحجاز وشعوب آسيا الوسطى والتي تستمد جذوتها من الصلات الروحية، مع وصف كامل للتأثير المتبادل للهجرات، لدرجة أن المسلمين في روسيا أصبحوا يعتمدون الفتاوى الشرعية الصادرة في بلاد الحرمين ويأخذون بها.
وتعيد بعض تلك الدراسات تاريخ بدء اهتمام أهل المشرق العربي بالروس إلى العصر العباسي الأول، عندما توغل التجار العرب في الأراضي الروسية لأغراض التجارة وحب الاستطلاع، وبادلهم التجار الروس ذلك بقصد التجارة أو الحج، ثم زادت الروابط وثوقاً بعد سقوط الامبراطورية المغولية، وما تبع ذلك من توغل روسيا في آسيا الوسطى الغنية بالمعارف والثقافة العربية والإسلامية، والكتب والمخطوطات من آثار البيروني والفارابي والرازي وابن سينا وغيرهم، فربط الإسلام بينها وبين العرب، بعد أن أصبح فيها نحو (25) مليوناً من المسلمين في آسيا والقوقاز، وما يزال أحفادهم يتحدثون العربية الى اليوم.
أما العلاقة الثقافية الحقيقية التي ربطت روسيا بالعرب ولغتهم وديانتهم، فقد بدأت عملياً في أواخر القرن السابع عشر، عندما قامت الدوائر العلمية الروسية بترجمة العديد من الكتابات والمصادر الأوروبية، ثم كان انفتاح القيصر بطرس الأول على الثقافتين الغربية والشرقية، ورغبته في التعرف على الإسلام، فبدأ الاهتمام بالإسلام يأخذ منحى علمياً بدأه المستشرق الروسي (كانتمير) الذي تناول ظروف النشأة التاريخية للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، وهو الذي أقام أول مطبعة عربية في روسيا، وقد شهد مطلع القرن الثامن عشر أول ترجمة روسية لمعاني القرآن الكريم (1716).
وكان قرار القيصر بتأسيس قسم خاص لدراسة الحضارة العربية والإسلامية في أكاديمية العلوم الروسية، ومن ثم إيفاد بعثات لدراسة اللغة العربية مفتاحاً حقيقياً لانتشار متحدثيها في الدوائر العلمية والرسمية الروسية، بعد أن تعمقوا في عالم الشرق وثقافته وديانته.
وفي الثلث الأول من القرن التاسع عشر تبلورت المدرسة الاستشراقية الروسية، بعد أن تخطت العقبات الإدارية والعلمية المتمثلة ـ على وجه الخصوص ـ بتوافر المخطوطات والمؤلفات العربية، كما كان لإنشاء كراسي اللغات الشرقية منذ مطلع القرن التاسع عشر أثره الكبير في تطوير المدرسة الاستشراقية.
لست بصدد الحديث عن الاستشراق الروسي والرحالة والمؤرخين، لكن من المؤكد أن الدراسات الاستشراقية والجغرافية والتاريخية قد وثّقت من تواصل المسلمين في روسيا مع بلاد الحرمين الشريفين، المنبع الأصيل لرابطة الإسلام واللغة العربية، بل ان صلات الحج والروابط الدينية بين مسلمي آسيا الوسطى وبلاد الحرمين خصوصا، والمشرق عموما، كانت أحد حوافز نشاط الاستشراق والاهتمام السياسي الروسي، ويكفي أن أشير إلى أن الدراسة التي أنجزها فاسيلييف (الثاني) عن تاريخ العربية السعودية (موسكو، دار التقدم، 1986)، قد اعتمدت كثيرا على التراث الاستشراقي في محاولته لفهم الخلفية الثقافية لتاريخ شعب الجزيرة العربية، واستيعاب دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب.
* رابعا: العلاقات الثقافية المنظّمة:
* قد لا يحتاج هذا المحور إلى مزيد من التفاصيل نظراً لكونه معاصراً وميسوراً للمعرفة، فالكل يعرف جهود المراكز الثقافية والإعلامية والدعوية والبحثية والتعليمية (الاكاديمية) والعلمية والخيرية التي تنتشر في روسيا وبلاد الحرمين الشريفين، مما يسهم بشكل مباشر في تنمية الأواصر الثقافية بين الحضارتين، ومنها ما يخدم الثقافة واللغات المشتركة بشكل عام.
لكن الزائر لروسيا لأول مرة ـ مثلي ـ يود أن ينوه بما تقوم به الجامعات السعودية والروسية، لإنشاء مدارس متخصصة في الدراسات الإسلامية والعربية، ولإقامة كراسي لخدمة هذه الدراسات، ولتقديم المنح وتشجيع الأبحاث والأطروحات العلمية ودراسة اللغات.
إن ما نحن فيه اليوم، من قواسم ثقافية متبادلة تمكّن المحاضر منا من إلقاء بحثه بأي من اللغات المشتركة دون حاجة الحاضرين إلى مساعدة المترجم ـ وهي ظاهرة تتفوق فيها روسيا على دول أوروبا الغربية وأمريكا ـ وإن تواصل الباحثين بين البلدين اليوم، ما هو إلا دليل واضح على تعدد جسور الاتصال الثقافي وكثافتها في زمن قياسي، سيساعد في تعويض ما فات في زمن القطيعة والابتعاد، كما أود أن أشكر لرابطة العالم الإسلامي والندوة العالمية للشباب الإسلامي وهيئة الإغاثة الإسلامية العالمية وهيئة الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة النبوية ما تقوم به من جهود لمسV=ف| المسلمين على الاحتفاظ بهويتهم وعقيدتهم، وأحيي بشكل خاص شخصية الشيخ محمد العبودي الأمين العام المساعد لرابطة العالم الإسلامي، الذي أمدّ المكتبة السعودية بالعديد من الكتب الوصفية والتوثيقية عن بلاد ما وراء النهر وجغرافيتها وتاريخها ومظاهر الحياة فيها، وتسجيل كنوزها الثقافية.
والشكر لكل من أمدّ هذه المشاركة بالمعلومة أو المرجع أو المشورة، ومنهم الدكتور علي النملة والدكتور محمد بن عبد الله بن حجر الغامدي ويوسف بن عبد الستار الميمني والدكتور يحيى بن محمود الجنيد.
والامتنان لهذه المناسبة، التي نستحضر فيها تلك الزيارة الرائدة للملك فيصل رحمه الله الى موسكو قبل سبعين عاما، وهي مناسبة نقيم من خلالها جسراً ثقافياً اضافياً مع منطقة طالما أسدت للحضارة الإسلامية كنوزاً من المعارف والمخطوطات، وأسهم مفكروها وعلماؤها في خدمة التراث العربي والإسلامي، جسراً من التواصل بين الثقافات والديانات، والاحترام المتبادل والمشاركة الثنائية المتكافئة، يعيد إلى هذا العالم الذي يعيش اليوم عصر ما يسمى قطب الاتجاه الواحد، يعيد إليه توازنه الثقافي المهدور، والسلام عليكم ورحمة الله.
* عضو مجلس الشورى في المملكة العربية السعودية ـ ألقيت الكلمة بمناسبة مرور (70) عاما على زيارة وزير الخارجية السعودي (الأمير فيصل، الملك في ما بعد) لموسكو.