صحافيون عرب: جاهزون للحرب.. ولكن
بيروت: داود ابراهيم
مر ما يزيد على السنة على حرب يوليو (تموز) التي شنتها إسرائيل على لبنان الصيف الماضي. لكننا عدنا بالزمن إلى الوراء في بيروت، تسلحنا هذه المرة بإرشادات ونصائح ومعلومات حول سبل الوقاية من الاخطار والاستعداد النفسي وما يجب وما لا يجب قبل الانطلاق إلى المعركة.
على مدى 3 أيام استعرضنا حرب الـ33 يوما واستعرضنا حروب العراق وأفغانستان ودارفور. حاسبنا أنفسنا على إهمالنا الإجراءات الوقائية وتعريضنا أنفسنا وغيرنا للخطر. استعدنا خلال أيام كل ما تعلمناه وما لم نتعلمه حول تغطية الحروب والمراسلين الحربيين. عدنا إلى مقاعد الدراسة نتابع ورشة دعا إليها "برنامج التدريب الصحافي في الجامعة الأميركية" في بيروت حول تغطية الحروب وسلامة الصحافيين بتمويل من السفارة الهولندية في لبنان. دورة وفرت لها مديرة البرنامج ماجدة أبو فاضل كل ما يلزم من تسهيلات، والأهم كان وجود المحاضر إيسن جوردان مؤسس شركة "بريديكت" ورئيسها التنفيذي، وهي شركة تغطي أخبار مناطق الحروب وتعنى بأمور السلامة للصحافيين. كذلك أسس مع آخرين "مجموعة العمل الإخباري الآمن في العراق" وترأسها. عمل على مدى 23 عاما لصالح ال "سي أن أن" حيث تبوأ منصب الرئيس التنفيذي لشبكة البرامج الإخبارية ورئيس اجتماعات التحرير والشبكة العالمية. حائز جوائز عدة منها جائزة "إيمي" وروبرت ف كينيدي وجائزة شارل ويلتنر العالمية الأولى لحرية التعبير. إلى جانب جوردان كانت مراسلة تلفزيون ال "أل بي سي" تانيا مهنا التي عرضت لتجربتها الشخصية في أكثر من نقطة ساخنة في العالم. ويبقى أن نشير إلى أن أبو فاضل نفسها تملك خبرة واسعة في مجال تغطية الحروب وهي على تماس مع الصحافة الغربية خصوصا الأميركية منها.
يقول جوردان لـ"الشرق الأوسط": "أن تكون مراسلا حربيا هو قرار شخصي، البعض يستمر فيه، والبعض يقرر عند مرحلة معينة أنه آن الأوان لتركه والإنتقال إلى مرحلة أخرى. ولكن في كل الأحوال لا بد لمن يعمل في هذا المجال أن يعرف تماما نوع الأخطار التي تواجهه، وأن كل يتخذ الإجراءات الإحترازية والوقائية".
وحول ما إذا كانت المعايير الوقائية الواجب اعتمادها كافية يجيب جوردان: "لا يمكن أبدا القول لمراسل حربي في الميدان أنه سيحظى بالحماية والأمن بشكل تام ولكنه بالطبع سيكون في وضع أكثر أمنا".
أما عن سبب اختياره العمل في مجال حماية الصحافيين ووسائل الإعلام فيقول جوردان: "بعد خسارتك للعديد من أصدقائك خلال عملهم في تغطية الحروب تبدأ بالسؤال عن السبيل لوقف خسارة المزيد منهم، وأنا قررت أن أبحث عن السبل الكفيلة بمنع سقوط المزيد من الأصدقاء".
تضمنت الورشة مطبوعات عن مواضيع صحافية على صلة بالموضوع. كانت "الشرق الأوسط" حاضرة في عدد من الأمثلة والقصص. طرحت عناوين عدة أهمها القواعد الأساسية للمهمات الخطرة لجهة التعرف إلى مصدر الخطر والتعرف إلى الأسلحة. وكانت القنابل العنقودية التي ألقتها الطائرت الحربية الإسرائيلية الصيف الماضي مثالا كما كانت حالة الألغام مثالا آخر. وتشاطر الحضور تجاربهم الشخصية، فيما أعطى جوردان توجيهاته حول الإجراءات الوقائية الواجب اعتمادها، وتلك التجهيزات الواجب توافرها من السترة الواقية إلى الخوذة والنظارات ووسائل الإتصال والنقل والترجمة إذا تطلب الأمر. وهي متطلبات "لوجستية" يفترض بالمؤسسة أن توفرها لمراسليها الحربيين.
تناولت الورشة ألاهمية الكبرى للقرار الذي يتخذه المراسل نفسه لتغطية الحرب. جوردان نصح بأن يترك المراسل وصية مكتوبة مع أحد الأصدقاء. ودخل المشاركون في سيناريوهات احتمال تعرضهم للخطف، فوضعت على الطاولة جملة أمور تتصل بآخر رقم على الهاتف المحمول، وضرورة أن يكون لدى الصحافي كلمة تستخدم "شيفرة" وتدل على وجود الخطر. طرحت اهمية ان يحمل الصحافي صور أفراد من العائلة في محفظته، ما يمنحه ربما فرصة لحوار انساني مع خاطفيه. وتم التشديد على ضرورة ضبط النفس والقدرة على الصمود من دون استفزاز الآخرين. كذلك طرحت ضرورة ان يحتفظ المخطوف بتواصل مع الحياة من خلال الانتظام على تناول الطعام والمال ومطالبة الخاطفين بصحف وكتب ليقرأها وربما بالتنزه بضعة امتار حيث هو محتجز.
شدد جوردان على ضرورة أن يعي المراسل الحربي اخطار عمله، ووجوده ضمن مجموعة مسلحة قد يعرضه لخطر أكبر، بحيث يصبح عرضة للإستهداف. وتطرق البحث الى فريق العمل الذي يجب ان يكون متجانسا لأن غياب التجانس قد يكون سببا مباشرا لتعريض اعضاء الفريق للخطر.
جريمة اغتيال النائب اللبناني أنطوان غانم في بيروت دخلت على خط الورشة التي كانت عراقية الهوى بامتياز، فعادت تجربة لبنان مع التفجيرات إلى الواجهة، وكان عرض للجرائم وكيفية حصولها، وامكان وجود وسائل متاحة لتفاديها. وأصر جوردان على أن السيارة المصفحة ربما كانت ستحول دون مقتل النائب اللبناني. وردا على مقارنة مع جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري لفت إلى الفارق الكبير بين كمية المتفجرات المستخدمة في جريمة الحريري وتلك التي استخدمت لاحقا. وقال انه يوافق على أن التنقل بسيارة مموهة قد يكون حلا، لكن اذا كان المجرمون يجهلون مكان وجود الهدف، وهو ما لا ينطبق مع حالة النواب في لبنان حيث تحدثت وسائل الإعلام عن مكان وجودهم وهو فندق ذو مدخل وحيد تسهل مراقبته. وقدم جوردان شرحا عن عمليات تفجير استهدفت فنادق المنطقة الخضراء في العراق ومحيطها، مقدما رؤيته حول إمكان توفير أمن أفضل للإعلاميين والمؤسسات الإعلامية.
تأثير الحروب وعمليات القتل على الصحافيين خصص له محور خاص، خصوصا ما يتعلق بخسارة الاصدقاء أو التعرض للإصابة. لأن الوضع اذذاك يتطلب الحصول على استشارة نفسية اذا تركت قضية ما تأثيرا قويا علينا، وحتى في حالة عدم التأثر مع أن القضية تستدعي تفاعلا ما. ويبقى الأهم قضية الأخلاقيات الإعلامية، ومعرفة ما يصلح للنشر وما لا يصلح. والتركيز على القصة الإنسانية، خلف المواجهات الحربية، قصة تشد القراء إلى ما هو أبعد من الجبهات. إنها القصة التي تنتظر من يرويها.