الثلاثـاء 12 ذو القعـدة 1429 هـ 11 نوفمبر 2008 العدد 10941
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  







 

أيام في اليمن

محمد صادق دياب

واسعة هي الدنيا التي يمكن أن يزورها الإنسان، وقليلة هي الأماكن التي تحتضنها ذاكرة القلب، ويحتفظ بها الوجدان، فحينما قررت السفر إلى اليمن ذات يوم كنت محملا بما قرأته وسمعته عن اليمن، ولكن ليس من سمع كمن رأى.. كانت صنعاء محطتي الأولى، وما أدراك ما صنعاء، فلقد بدت هذه المدينة من الطائرة ككف صبية حسناء مخضب بالحناء يلوح لك مهنئا بسلامة الوصول..

في نهارات صنعاء يرافقك التاريخ وأنت تتجول في «باب اليمن» و«سوق الملح»، وإذا ما أرخى الليل سدوله تطفو المدينة على صواري الليل لؤلؤة يمانية، وينطلق الشجن العذب غناء.

في الطريق من صنعاء إلى مدينة «إب» كان سائق الحافلة اليمني ينتشي بالغناء:

«يا صاحبي وايش جاك منٌي

وتشوفني وتصد عني

حالي عسل نور باسترج به»

وكنا نتمسك بحبال صوته بحثا عن طمأنينة، ونحن نحدق في تلك الهوة السحيقة التي لا تفصلها عن إطار الحافلة سوى أن يجرح الغناء حنجرة المغني فيبدأ في التثاؤب.. جبال خضراء، ووديان، وقلاع سياحية، وتتقاذفك القرى قبل أن تجد نفسك في «إب»، المدينة التي جلب إليها أبناؤها المهاجرون روعة المعمار وحداثة الحياة لتختصر كل جماليات المدن، وبهجة الأماكن..

وإذا تجاوزت «إب» إلى «تعز» تجد نفسك أمام مدينة عصرية تقفز نحو المستقبل بثبات، يحفزها على ذلك ثراء بيئتها ووعي أهلها، ففي هذه المدينة مؤسسة علمية خاصة تحتل حيزا كبيرا من المشهد الثقافي والعلمي، فهي تمنح في كل عام ست جوائز، قيمة الواحدة منها مليون ريال يمني، توزع على المبدعين والعلماء من أبناء اليمن.

وكانت عدن مسك الختام.. هناك يتعانق الجبل والبحر، الحداثة والتراث، والماضي والآتي.. أهلها تعلموا من قانون المد والجذر على شاطئها الانفتاح على الغرباء ومستجدات الحياة.. وحينما رحت أعبر الدروب في «كريتر» و«التواهي» و«خور مكسر» و«المعلا» كنت أسأل الذات كم مرت على هذه الدروب قوافل الأيام، وكم أناخت ركائب الفرح.. وأرحل من عدن يلاحقني مطلع قصيدة طويلة من الشعر الشعبي سكبها بائع العسل العدني الهرم على مسامعي في السوق:

«تشتي تغادر عدن

كيف القلب بيطيعك»؟.

m.diyab@asharqalawsat.com


التعليــقــــات
محمدعبدالرؤوف، «المملكة العربية السعودية»، 11/11/2008
مقال جميل عن بلد جميل لكاتب متميز نعم هذا هو اليمن السعيد! زاده الله سعادةً و حبوراً.
صابر ابو الغيث، «فرنسا ميتروبولتان»، 11/11/2008
اليمن يا أستاذ دياب يمكن أن يستعيد لقبه السعيد بسواعد أبنائه وشهادات المنصفين أمثالك وبارك الله فيك على هذا المقال الرائع والإنساني والعروبي.
عبدالله حسين الجندارى، «اليمن»، 11/11/2008
مقال رائع جدا يا محمد شاهدته وكأنى استمع الى عبد الحليم عندما يشدو بس نفسى تتحدث عن المراة باسلوبك وكيف تحول الحياه الى نعيم او الى جحيم بس باسلوبك الرائع
ايهاب ايهاب، «مصر»، 11/11/2008
شوقتنا لزيارة اليمن السعيد... يمن العرب يا مبدع العرب.
محمد الحضرمي، «كندا»، 11/11/2008
شكرا أستاذي أهلا وسهلا بين أهلك وأحبابك وأتذكر مقالا لك سابقا عن عدن والعاشق الهندي الذي فقد محبوبته بعدن ولازال يتغنى بذكرها منذ سنين.
 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2010 © Saudi Research & Publishing Company (SRPC)