الاحـد 04 شعبـان 1425 هـ 19 سبتمبر 2004 العدد 9427
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  







 

الثقافة التلفزيونية حولت الأنوثة إلى مصطلح مؤقت والحجاب إلى بيان ثقافي

عبد الله الغذامي في كتابه «سقوط النخبة وبروز الشعبي»: الغزو الثقافي مقولة واهمة هدفها المبالغة في تخويف الذات

الرياض : سعد المحارب
يدخل الدكتور عبد الله الغذامي إلى هذا الكتاب بوصفه ناقداً ثقافياً يتناول النص الثقافي وصفاً وتحليلاً، ولا بد للناقد الثقافي أن يتعامل مع النص حسب صيغته، إذ يرى المؤلف أن الثقافة مرت بأربع صيغ للتعبير عن نفسها، مع الإشارة هنا إلى أن كل صيغة جديدة تنافس الصيغ القديمة وتتجاور معها ولكنها لا تلغيها، وأول تلك الصيغ هي الشفاهية، حيث الحفظ والنقل اعتماداً على الذاكرة، ومنها الشعر الذي لم يبلغنا وأخبار القدماء التي نجهلها، والثانية صيغة التدوين بتدوين ما كان شفاهياً مع الاحتفاظ بالأسلوب الشفاهي قدر الإمكان مثل ما جرى مع المعلقات ومع النصوص الإسلامية المقدّسة. والصيغة الثالثة هي الكتابة وهي صيغة مختلفة عن التدوين، حيث هي صيغة كتابية من حيث المبدأ وليست شفاهية تم تدوينها مثل فنون السرد وقصيدة النثر، أما الصيغة الرابعة فهي الصورة ـ وبخاصة التلفزيونية منها ـ، وكل صيغة صنعت ملامح ثقافية خاصة، فثقافة الشفاهة مختلفة عن ثقافة التدوين، مثلما أن تحليل ثقافة الكتابة مختلف عن تحليل ثقافة الصورة.

يبدأ الكتاب بمقدمة تحت عنوان «الصورة والثقافة البصرية» وفيها يشير المؤلف، إلى جانب رحلة الصيغ التعبيرية، إلى أهم نتائج الانتقال إلى مرحلة ثقافة الصورة وهي تراجع دور النخبة حيث يقول «... جاءت الصورة لتكسر ذلك الحاجز الثقافي والتمييز الطبقي بين الفئات فوسعت من دوائر الاستقبال... وهنا دخلت فئات لم تكن محسوبة على قوائم الاستقبال الثقافي، وأدى هذا إلى زعزعة مفهوم النخبة... سقطت النخبة إذن ولكن ليس بمعنى أنها اختفت ولم تعد قائمة وإنما بمعنى أنها فقدت دورها في القيادة والوصاية وتلاشت تبعاً لذلك رمزيتها التقليدية...»، كما يذكر لاحقاً قيام عدد من الجامعات الأميركية بإدراج فصول دراسية للعناية بثقافة الصورة والثقافة البصرية، ويرى أن هذا علامة على التحول من ثقافة النخبة إلى ثقافة الجماهير.

* ثقافة الصورة

* الفصل الأول «ثقافة الصورة» يشرح فيه الغذّامي كيف أصبحت الصورة اليوم أداة للتعبير، وما قاد إليه هذا من تحول في آليات الاستقبال ومن ورائها آليات التأويل، ثم ينتقل المؤلف إلى جدلية التصديق والتكذيب التي تصاحب ثقافة الصورة، حيث يعتبر المتلقي الصورة دليلاً قاطعاً على الصدق إذ «ليس من رأى كمن سمع» في حال الاستقبال، إلا أن المتلقي نفسه يلجأ إلى تكذيب الصورة التلفزيونية أو التحايل على دلالاتها إذا خالفت مخزونه الثقافي في حال التأويل، ويندرج المستقبلون للصورة من التصديق التام إلى التكذيب المفرط وما بينهما، ويروي هنا حكاية على الطرفين مشيراً ـ في التكذيب المفرط ـ إلى حكاية الشيخ عبد الكريم الذي ألفّ كتاباً تعرض فيه للقصص الإعلامية الكبرى ـ وهي حكاية جاءت في معرض مقال للكاتب السعودي منصور النقيدان ـ ملخصها أن الشيخ عبد الكريم يرى أن مسألة الصعود إلى القمر غير واقعة، على الرغم من أنه يقرّ بسلامة الصورة التلفزيونية التي أظهرت (نيل آرمسترونج) عام 1969 يخطو خطواته الأولى على سطح القمر، لكنه يرى أن الأميركيين وقعوا ضحية لخدعة ماكرة من إبليس الذي انتفخ في الفضاء، على هيئة كوكب سابح ، متربصاً لرواد الفضاء الذين نزلوا على ظهره وهم يظنون أنهم نزلوا على سطح القمر.

ويستند المؤلف إلى مثل هذه الحكاية لإنكار سلبية المتلقي، حيث لجأ المشاهد هنا إلى آلية تأويل توفيقية بين مخزونه الثقافي والصورة التي تلقاها، فلم تستطع الصورة ـ بوصفها نصاً ثقافياً وفكراً خارجاً عن المتلقي ـ أن تغير قناعاته الراسخة بأنه لا يمكن للبشر أن يبلغوا سطح القمر.

* النخبوي في مواجهة حقيقته

* الفصل الثاني «الثقافي والتفاهي» يمضي المؤلف فيه مؤكداً تراجع دور النخبة وتحولها إلى أقلية تمثل نفسها ـ أو للدقة اكتشاف تلك الحقيقة الأصيلة ـ، مستعرضاً تجربة البرنامج التلفزيوني «سوبر ستار»، حيث قابل استقبال النخب الشاجب والرافض والمستنكر ـ سواء النخب العلمانية أو الأصولية ـ احتفاء شعبي ضخم أدى إلى تسيير المظاهرة واستحضار الاهتمام على مستوى أعلى القيادات السياسية التي اكتشفت أن رضا الأغلبية ليس في التجاوب مع نخب ثبت أنها غير شعبية، إذ يقول «... إن أول علامات التغير الحديث هو سقوط فكرة أن المثقف ضمير الأمة وانه يمثل الشعب بمعناه العريض، والشاهد الخطير على ذلك هو ما انكشف من أن المثقف لا يعرف اتجاهات الرأي العام، ولذا راح ينعي ذاته، فهذا الذي نقرأه من استنكار وامتعاض هو في الحقيقة نعي للذات...»، ليؤكد في الإطار ذاته أن التحول الذي جرى هو انكشاف الحقيقة وليس وجودها، إذ أن ملايين المهمشين مروا من دون أن يشملهم الحفظ أو التدوين أو الكتابة لأنهم لا يملكون وسيلة للتعبير عن أنفسهم، إلا أن الأمر في عصر الثقافة التلفزيونية قد تغير فأصبحوا يملكون الوسيلة التي تغنيهم عن الرمز ليعبروا عن أفكارهم وعن وجودهم، بما يفضي إلى التجاور بين الثقافي والتفاهي ـ إذا شاء القارئ الانحياز إلى الوصف النخبوي.

ولعل من أبرز ما يرد في هذا الفصل هو إشارة المؤلف إلى استقلال العقل البشري وتميزه عن الصورة، حيث يأخذ بثنائية الحب والكره تجاه صورة أميركا ليستنتج أن ما يحبه الناس في أميركا هو ما يحبونه في أنفسهم من المتعة والمنافسة والجنس والعنف والمال والحرية وانتصار الإرادة البشرية، ثم يقول «... وهذه كلها معانٍ إنسانية مشتركة، ولئن مثلتها الثقافة الأميركية في الأفلام والمسلسلات وبدت وكأنما هي منتجات أميركية فإننا بالتأمل البسيط سندرك أن هذا كله هو نازع بشري نحو هذه القيم، جيدها ورديئها، وليست ألف ليلة وليلة والروض العاطر وقصص عنترة وملاحم اليونان والفرس إلا خلاصات لهذه القيم»، وفي المقابل يشير إلى أن المكروه في صورة أميركا هو ما يمس الفروق القومية والدينية بين أميركا وبقية العالم.

* الصورة مرعبة

* «الخوف من الصورة» عنوان الفصل الثالث الذي يشير فيه المؤلف إلى نسق ثقافي ومتجذّر ينم عن خوف أسطوري من الصورة، منذ معاناة المكتشفين في مجاهل أفريقيا من هرب القبائل من الكاميرات لاعتقادهم أن التقاط صورة الإنسان يؤدي إلى اخذ روحه إلى الصندوق الأسود وبالتالي موته، وحتى قرار القوات الأميركية بمنع قناة «العربية» من تغطية الأحداث في العراق في نوفمبر 2003، لأن كاميرات القناة قد تأخذ روح جيش التحرير وتكشف ضعف إنسانية الاحتلال فيموت التعاطف معه، وفي السياق نفسه يشير الغذّامي إلى فتوى صدرت في السعودية بتحريم المسلسل التلفزيوني «طاش ما طاش» ويقول «... وفي الفتوى ضد المسلسل إشارات إلى الآخر وموقع الذات معه، ففي المسلسل اختلاط وسفر إلى الخارج وعادات أجنبية، حسب نص الفتوى...».

ويؤكد أن الخوف من الصورة تحول إلى قلق ثقافي بحضور الثقافة التلفزيونية، إذ أصبحت الصورة التلفزيونية الفضائية كاشفة ومعرية وناسخة ولم تعد الكلمة قادرة على تحديها، وهكذا جاءت الصورة التلفزيونية في ابريل 2003 لمشهد إسقاط تمثال صدام حسين في ساحة الفردوس عشية سقوط نظامه كاشفة ومعرّية وناسخة لكل ما قيل وكتب عن شعبية الرئيس القائد، ولكن في مقابلها جاءت صورة مشهد احتفال مئات الآلاف من المتظاهرين في لندن ـ التي وصف عمدتها الرئيس جورج دبليو بوش بأنه يهدد السلام العالمي ـ بإسقاط نصب صنعوه ورسموا عليه صورة الرئيس الأميركي إبان زيارته لندن في نوفمبر من العام نفسه، ناسخة لكل ما قيل عن القبول المطلق بقائد العالم الحر.

* التأنيث والآيديولوجيا في الصورة

* الفصل الرابع «اللباس بوصفه لغة» يقدّم به المؤلف للفصلين التاليين، وهنا يتعرض المؤلف للباس باعتباره علامة ثقافية دالة بالغة الأهمية والتأثير في عصر الثقافة التلفزيونية وشيوع الفضائيات وانهيار الحدود، فاللباس يخفي ويستر، كما يكشف ويعلن، إذ يستر الجسد ولكنه يكشف جنس صاحب الجسد وبلده وزمنه وطبقته وثقافته وحالته المادية والاجتماعية «... واللباس قبل ذلك كله وبعده نص قابل للتأويل مثلما هو معرض لسوء الفهم وسوء التأويل... وقد يكون لعبة آيديولوجية ومادة لصراع الأفكار والنظريات...».

ويدخل من هذا الاستنتاج إلى الفصل الخامس «التلفزيون والتأنيث»، حيث يقول «... لم تكن العلاقة بين الصورة التلفزيونية والمرأة عادية، وليس التلفزيون سوى أداة ذكورية، وإن كانت الثقافة الإنسانية المتمثلة بالنص المدون والكتابة قد سيطر عليها النسق الفحولي فإن ثقافة الصورة قد جاءت لتعزز هذا النسق وتنطلق منه...»، قبل أن يصل إلى التعبير عن خطورة فعل الثقافة التلفزيونية بالجسد النسائي، إذ ثمة شروط فحولية لا بد أن تتوافر للوجه والجسد النسائي الظاهر على الشاشة، ما أدى ـ حسب رأي المؤلف ـ إلى تحويل الأنوثة إلى مصطلح ثقافي مؤقت، وأنتج ضحايا لا أحد يسمع صوتهم، سواء الضحايا بفعل الفقر الذي جعلهم متخلفين عن الوفاء بالشروط، أو ضحايا صحيين بسبب عمليات التجميل، فضلاً عن مخلفات هذه الثقافة اللائي تجاوزت سن الإغراء، وفي مقابل ذلك نشأت الصورة المعاكسة التي يتعرض لها المؤلف في الفصل السادس «آيديولوجيا الصورة»، حين يتعرض إلى حجاب المرأة في الثقافة التلفزيونية الذي تحول من ممارسة دينية شخصية إلى بيان ثقافي وإعلان ديني سياسي، فصار اللباس صورة تخضع لشروط الإرسال والاستقبال والتأويل، وأصبح موضوعاً ثقافياً قابلاً للفهم ولسوء الفهم أيضاً.

لينتقل من هذا إلى مناقشة الأفكار الواردة في مقالة لأدونيس بعنوان «حجاب الرأس أم حجاب العقل..؟»، يناقش فيها مسألة تحجب المسلمات في الغرب، على إثر القانون الفرنسي الشهير، وينتهي الغذّامي إلى القول عن ادونيس «... انه في حديثه عن الحجاب يقيم تمييزاً طبقياً بين نوعين من البشر، نوع له الحق المطلق في تمثل ثقافته وتمثيلها كيف يشاء، ونوع آخر ليس له الحق في أن يعبر عن نفسه...» ويرى الغذّامي أن رؤية ادونيس للحجاب على أنه مضاد للديمقراطية، وانه يمثل تحدياً وعدواناً على مشاعر الغربيين وقيمهم وانه انتهاك لأصول حياتهم وسخرية من قوانينهم، نموذج لفحولية تنطوي على نسق مضمر فحولي سلطوي أحادي الثقافة والرأي يناقض النسق الظاهر الحداثي التحرري القابل بالتعدد، ليس هذا فحسب إذ يمضي المؤلف في اعتبار المقال نموذجاً للتحيز ضد المرأة، حين يقول «... ادونيس هنا لا يتكلم عن ملابس الرجال وهي كثيرة في الغرب كله، حيث يلبس الأفارقة والهنود والعرب ملابسهم التقليدية، ولم يقل عنها ادونيس إنها تحدٍ لقيم الديمقراطية ولا لمشاعر الناس وقيمهم وقوانينهم...»، ويأتي المؤلف بهذا النموذج لمناقشة فكرة سلطة التأويل، وكيف أن اللباس في عصر الثقافة التلفزيونية بات خطاباً ثقافياً بوسعه أن يكون مؤدلجاً ليثير تأويلاً مؤدلجاً، ومن هنا يدخل المؤلف إلى الفصل السابع.

* الإرهاب والصورة التلفزيونية

* الفصل السابع «الإرهاب بوصفه صورة» يبدأه المؤلف بالإشارة إلى صورة الطائرتين الشهيرة، وكيف تحولت تلك الصورة بما توفر لها من وسائل التوصيل والتعميم إلى صورة كونية مشتركة، حيث يقول هنا «... وليس من شك أن مفجري البرجين وضعوا في تصورهم ما يمكن أن تكون عليه صورة الحدث في التغطيات التلفزيونية، وما يمكن أن تحدثه من أثر عالمي بما أنها صورة حية بالغة القوة في تحديها وتأثيرها...، وفي المقابل فإن المستهدف الأميركي سعى إلى توظيف تلك الصورة توظيفاً يضمن له أكبر قدر من التأثير عبر تلك الصورة...». ويقول المؤلف بعد ذلك إن نحوية جديدة صنعتها الثقافة التلفزيونية، ولابد من الاستعانة بالنحوية الجديدة في فهم وتأويل النص الجديد، وتنبني هذه النحوية على خمسة أسس ـ حسب الغذّامي ـ هي «... إلغاء السياق الذهني للحدث، السرعة اللحظوية، التلوين التقني، تفعيل النجومية ـ أي نجومية الصورة ـ، إلغاء الذاكرة ـ أي القابلية السريعة للنسيان ـ...»، ويمضي المؤلف في شرح هذه الأسس، والمساحة هنا لا تسمح بإلقاء الضوء على ذلك الشرح.

* الإنسان والعالم والصورة

* الفصل الثامن «الصورة بوصفها نسقاً ثقافياً»، يشكل هذا الفصل الأخير خلاصة للكتاب حيث يشير المؤلف فيه إلى أن الإنسان في عصر الثقافة التلفزيونية أصبح صورة والعالم كله تحول إلى فضاء بصري تشكله الصور، بما غيّر مفاهيم الإرسال والاستقبال التقليدية، كما تغيرت معادلات التأويل ومن خلفها قوانين الذوق والتثقف، قبل أن يشير إلى أن العولمة، التي هي من علامات عصر الثقافة التلفزيونية، تمثلت شروط الثقافة الجديدة، التي فيها الصورة دالة على الشيء ونقيضه، كما هي ناسخة لما سبقها من صور، ومرشحة لأن تنسخ بصورة مقبلة، إذ أن العولمة التي قادت إلى ترسيخ مفهوم النموذج الأوحد وتعميمه، قادت في ذات الوقت إلى استفزاز الخصوصيات وتشجيع التعبير الظاهر لمعارضة العولمة في أميركا قبل غيرها.


 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2010 © Saudi Research & Publishing Company (SRPC)