الجمعـة 06 رجـب 1428 هـ 20 يوليو 2007 العدد 10461
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  







 

مديحة يسري.. سمراء الشاشة المصرية

أكدت في أفلامها على دور المرأة.. وسعت عبر «الشورى» لحل مشكلات السينما

القاهرة: محمود التركي
يرى الكثيرون أن جمالها ذا الملامح المصرية الاصيلة وسمرة بشرتها النيلية، كانا أهم ما ميزها إلى جانب موهبتها عند دخولها إلى عالم الفن في اربعينات القرن الماضي. والدليل على ذلك اختيار مجلة "التايم" الأميركية لها في بداياتها كواحدة من أجمل عشر نساء في العالم. ليس هذا فقط، بل قد لا يعرف الكثيرون أن نفس الفتاة التي نشرت صورتها في إحدى المجلات المصرية عام 1939 كأحد الوجوه الجديدة، هي ذات الفتاة «هنومة خليل» التي تعلق بها فؤاد الاديب الكبير عباس محمود العقاد منذ رؤيته للصورة، فدعاها إلى حضور صالوناته الادبية الاسبوعية وأغدق عليها بعطائه الفكري والادبي بشكل فتح أمامها أبواب العلم والمعرفة. حتى أن الاديب الكبير الذي كان عازفاً عن الزواج وقع في حب تلك الفتاة التي لم يكن عمرها قد تجاوز العشرين، وقيل ان روايته الوحيدة التي حملت اسم «سارة» كانت عنها، لكنها ونظراً لفارق السن والخبرات اكتفت بدوره في حياتها كمعلم وأستاذ وصديق. إنها الفنانة مديحة يسري التي انتهت منذ أيام من كتابة مذكراتها لتطبع في كتاب يقرأه جمهورها الذي قدمت له على مدى مشوارها الفني نحو 100 فيلم و30 عملا تلفزيونيا وإذاعيا.

ولدت مديحة يسري أو هنومة خليل حبيب عام 1921 بالقاهرة ونشأت وسط مجتمع وفي كنف عصر كان ينظر فيه للفن على أنه «سبة»، إلى الحد الذي كانت ترفض فيه شهادة المشخصاتي الذي أطلق عليه فيما بعد اسم «الممثل» أمام القضاء. وكانت أسرتها ضمن المجتمع الذي رفض عمل أبناء العائلات في الفن. الا أن هنومة كانت مشبعة حتى أطراف قدميها بالموهبة الفنية، فأصرت على إشباعها بدءاً من مدرسة التطريز بحي شبرا الشعبي، التي مارست فيها الرسم وكثيراً ما نالت استحسان مدرساتها وإعجابهن برسوماتها ولوحاتها.

وكان سلاح مديحة في البحث عن ذاتها واستخراج الفنانة من داخلها هما الإصرار وجمالها، كذلك مساندة خالتها التي كانت دائماً ما تشجعها على خوض تجربة التمثيل، حتى شاء حظها أن يراها مصادفة المخرج محمد كريم، فيجذبه جمال عينيها فذكرته بأميرات عصر الفراعنة. فقرر منحها دوراً صغيراً في فيلم «ممنوع الحب» لمحمد عبد الوهاب في عام 1940. وعلى الرغم من أنها لم تظهر فيه سوى لثوان معدودة، إلا أن تلك الثواني كانت كفيلة بتغيير مجرى حياتها، لأنها شعرت أن الفن هو الطريق الوحيد الذي يمكنها السير فيه رغم تأخر أدوار البطولة لمدة عامين كاملين. ففي عام 1942 عرض عليها المخرج كمال سليم دور البطولة في فيلم «أحلام الشباب» مع الفنان فريد الاطرش، وحتى تلك اللحظة لم يكن والدها يعلم شيئاً عن عملها في السينما، فأدوار قصيرة لا تلفت الانظار، لكن دور البطولة في فيلم لفريد الاطرش أمر مختلف. ولعلمها بما يمكن أن تكون عليه ردة فعل والدها، طلبت من شركة «أفلام النيل للإنتاج والتوزيع» أن تضع شرطاً جزائياً في العقد الخاص بها يتضمن ان تدفع مديحة أموالا ضخمة في حالة اعتذارها عن العمل. وعندما علم الاب وطلب منها الغاء تعاقدها طالبته شركة الانتاج بدفع قيمة الشرط الجزائي، فلم يكن أمامه الا الرضوخ لرغبة ابنته. وجاء موعد اليوم الاول لتصوير الفيلم مع فريد الأطرش الذي رأى فيها ملامح نجمة سينمائية وشجعها كثيرا ووقف الى جانبها، حتى جمعت بينهما صداقة قوية لم يفرقها سوى رحيل الأطرش عن الحياة، لكنها ما زالت تتذكره حتى الان تلك اللحظات، بل أبدت أكثر من مرة رغبتها بالاشتراك في كتابة مسلسل عن حياته. ويعرض الفيلم وتحصد مديحة يسري اعجاب النقاد والجمهور وتنطلق إلى عالم النجومية، بشكل شجع والدها على مساعدتها في قراءة واختيار ما كان يعرض عليها من سيناريوهات لتختار ما فيه خدمة الإنسانية. وتنتهي حقبة الاربعينات ومع بداية الخمسينات تبدأ مديحة في تقديم أعمال مع كبار مخرجي تلك الفترة ومن بينها «امير الانتقام» و«لحن الخلود» مع المخرج هنري بركات، و«من أين لك هذا» للمخرج نيازي مصطفى، وفيلم «مؤامرة» و«أرض الأحلام» للمخرج كمال الشيخ، و«إني راحلة» لعز الدين ذو الفقار، والذي يعد من روائع الافلام الرومانسية في السينما المصرية. وعلى الرغم من النجاح الذي حصدته في تلك الفترة الا أنها عانت من حصار المخرجين والمنتجين لها في دور الفتاة الارستقراطية، فحاولت التغلب على ذلك في بعض الأفلام مثل «ابن الحداد»، وكذلك فيلم «المصري أفندي»، الذي شاركها بطولته الفنان حسين صدقي وقام بإخراجه أيضاً. كما شاركت في أول فيلم عراقي مصري مشترك بعنوان «ابن الشرق» عام 1946 من إخراج ابراهيم حلمي، وقام ببطولته العراقي عادل عبد الوهاب. وأيضاً كان لها نصيب مع ثاني فيلم عراقي مصري بعنوان «بغداد» إنتاج 1947 إخراج أحمد بدرخان، وقام ببطولته الفنان العراقي المعروف حقي الشبلي. لم تنجح مديحة في تلك الفترة على مستوى النقاد والجمهور فقط، ولكنها حصدت تقدير زملائها في الوسط الفني لها أيضاً، حتى ان الممثلة المسرحية زينب صدقي كتبت عنها في إحدى المجلات الفنية تقول: «من ينظر إلى وجهها للوهلة الأولى يحسبها شخصية حزينة هادئة، لكنها في الحقيقة تميل إلى الفرح والفكاهة، فضلاً عن كونها تملك طاقة كبيرة من الثورة والطموح، هي شخصية عربية أصيلة، و«كوكتيل» جميل لفضائل العرب في كأس جذاب يغري بالشرب».

ومن الامور التي ميزت مشوار مديحة يسري الفني، كان تقديمها لدور وشخصية الأم في سن صغيرة وكان من بين هذه الافلام وأهمها دورها في فيلم «الخطايا» حين قدمت دور الأم للفنانين عبد الحليم حافظ وحسن يوسف عام 1962. ووالدة سعاد حسني في فيلم «عريس ماما» في منتصف الستينات أيضاً. كما كان آخر أدوارها السينمائية دور الأم لثلاثة ابناء في مراحل عمرية مختلفة مع الفنان عادل إمام في فيلم «الارهابي» في منتصف التسعينات. وقد برر من تعامل معها من المخرجين تفضيلهم لها للقيام بدور الأم بقولهم إن مديحة يسري تمتلك وجها يجمع بين الطيبة والحسم كما أن جسدها ذا القامة الطويلة يمنحها القدرة على النجاح في تلك الادوار بتمكن.

ولا يقل دور مديحة يسري في عالم الانتاج عن دورها في عالم التمثيل، حيث أنتجت 18 فيلما سينمائيا عالجت من خلالها قضايا أثارت اهتمامها وفي مقدمتها علاقة المرأة بالرجل والمجتمع الذي تعيش فيه. ومن أبرز تلك الافلام فيلم «الأفوكاتو مديحة» مع يوسف وهبي، الذي يعد واحداً من أبرز الافلام العربية التي تتناول قضية حق وجدارة المرأة في العمل. وفيلم «بنات حواء» مع محمد فوزي، الذي طالبت فيه بالمساواة بين الرجل والمرأة. وفي التلفزيون شاركت مديحة يسرى في العديد من المسلسلات التلفزيونية، ومنها مسلسل «هوانم جاردن سيتي» ومسلسل «يحيا العدل»، ومسلسل «طائر العنق» مع الفنان حمدي غيث، وغيرها من الاعمال التي لاقت استحسان الجمهور.

أما حياة مديحة يسري الخاصة فقد شهدت أربع زيجات، ثلاث منها كانت من الوسط الفني. وكان اولها عند زواجها من المطرب والملحن محمد أمين، الذي كان يقول عنها «إن نظرة واحدة من عيون مديحة لأي رجل تجعله في حالة هذيان». وقد أثمر زواجهما عن تأسيسهما لشركة إنتاج سينمائي وأنتجا خلال 4 سنوات هي عمر زواجهما العديد من الأفلام مثل «أحلام الحب» و«غرام بدوية»، و«الجنس اللطيف». وبعد انفصالهما تزوجت مديحة يسري من الفنان أحمد سالم عام 1946، ولكنها زيجة لم تستمر طويلاً، حيث وقع الانفصال لتتزوج من الفنان محمد فوزي، الذي ساندته كثيرا في تأسييس شركة الأسطوانات الخاصة به، وحدث اللقاء الأول بينهما في فيلم «قبلة في لبنان».

وبعد زواجهما اشتركت معه في بطولة العديد من الأفلام التي أعادت اكتشاف نقاط دفينة في موهبتها مثل فيلم «فاطمة وماريكا وراشيل» الذي يعد أول تجربة كوميدية لها، التي قالت عنها إنه أحد أهم الافلام التي تفخر بها في مشوارها الفني، كما شاركته في بطولة أفلام «آه من الرجالة»، «بنات حواء» الذي قدمت فيه دور رئيسة جمعية المرأة تساوي الرجل، وقد أثمر زواجهما عن ابنهما عمرو الذي توفي في حادث سيارة. أما آخر زيجاتها فكانت من الشيخ إبراهيم سلامة الراضي، شيخ مشايخ الحامدية الشاذلية الصوفية. وتقول مديحة يسري عن حياتها: «لم تخل حياتي من الصعاب والمحن كانت أقساها فقدي لابني عمرو محمد فوزي ولكنني تعلمت الصبر والجلد في كل ما مررت به من مواقف. فأنا على يقين من أن الانسان مقدر له كل ما يحدث في حياته ولا يملك سوى الصبر».

وإذا كانت مديحة يسري قد قدمت فيلمها الشهير «الافوكاتو مديحة» لتؤكد على دور المرأة في المجتمع، فقد أدت دوراً شبيهاً لهذا الدور في الحياة العامة، حينما تم اختيارها ضمن المعينين في مجلس الشورى المصري، تقديراً لدورها في الحياة الفنية والتزامها على المستوى الانساني. وكثيرا ما سعت أثناء عضويتها في المجلس إلى طرح بعض مشكلات السينما المصرية، وإيجاد حلول لها.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Terms of use
شروط الانتفاع
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2014 © H H Saudi Research and Marketing LTD, All Rights Reserved And subject to Terms of Use Agreement .
© جميع الحقوق محفوظة للشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق وتخضع لشروط وإتفاق الإستخدام