الدمام: عبيد السهيمي
خرجت من المنزل في الخامسة والنصف صباحاً ـ وفي يدي كوب قهوة سوداء بدون سكر، قدت السيارة من الدمام إلى الظهران حيث أعمل في أكبر شركة نفط في العالم، ستون ألف موظف وموظفة.. إنها دولة داخل دولة، استمعت ـ كالعادة ـ إلى نشرة الأخبار من إذاعة القوات المسلحة الأمريكية AFN على موجة FM في راديو السيارة، بعد النشرة، تحدث المذيع الشهير بول هارفي، بلهجة جادة ـ على غير عادته ـ محذراً الرعايا الأمريكان في السعودية من احتمال وقوع المزيد من العنف بعد عملية «ينبع» الإرهابية قبل ثلاثة أيام.
سرت شائعة قوية بين الموظفين، تقول ان الشركة ستزيد من مرتبات الموظفين الأمريكيين كـ (بدل خطر) حتى لا يستقيلوا ويغادروا البلد، بسبب الحوادث الإرهابية الأخيرة، يا إلهي.. ألا يكفي أنهم يتقاضون على الأقل 50 في المائة أكثر من مرتباتنا على نفس الدرجة في الأحوال العادية؟! ألسنا نعمل معهم في نفس المباني والمعامل التي قد تكون مستهدفة؟! لماذا لا نعطى نحن أيضاً «بدل خطر»؟!.
هذه ليست حالة عادية لعمل عادي تشبع به موظف في الشركة العملاقة، انها بداية مملة لأسبوع رديء، يصوره القاص حمد العيسى عن بيئة العمل في شركة ارامكو النفطية العملاقة، حيث (الروتين الذي يدمر الأعصاب، والوقت يستنزف في أعمال واجتماعات تبدأ من فذلكات لا تجد من ينتقدها أو من يفندها، يتباهى بها موظفون من مرتبات أعلى وما على المرؤوسين سوى هز الرؤوس فقط، والموافقة على الفكرة وكيل المديح لها حتى لا يغضب هذا الدكتاتور الصغير ويدمر كل ما يقع أمامه)، والنقد ولو كان في إطار سردي قريب من الخيال، إلا انه يمثل خروجاً نادراً عاما يسمى بـ (النسق)، فالقلة من الموظفين يجرأون على انتقاد أوضاعهم في شركة حازت على سمعة عالية مثل أرامكو، ولا حديث سوى عن سلطة السمعة!
حمد العيسى يأخذ القارئ إلى بيئة العمل الحقيقية لشركة النفط بدءاً من نقاط التفتيش التي أصبحت جزءاً من الطريق إلى العمل، كثافة الاجتماعات المملة وطول ساعات الاستماع والحذر من قول الرأي حول الفكرة المطروحة حتى لا يغضب سعادة المدير أو لا يؤدي هذا الرأي إلى تشكيل لجنة يتكون اسمها من جملتين توضع ضمن برامج الاجتماعات لهذا الموظف أو ذاك.
القراءة عن سير العمل في موقع الشركة يصيب السعوديين بالخيبة، فهم يعتبرون العمال فيها مثالاً على الانتاجية والتفاني في العمل بينما يقول العيسى ان وقت العمل يهدر في اجتماعات وترؤس لجان لا طائل من ورائها، ان هذا الموقع الذي يعتبره السعوديون، المثال على وضوح القوانين والأنظمة، مليء بالازدواجية تجاه الموظف السعودي عند مقارنته بالاجنبي، كما تتضح هذه الازدواجية عند مقارنة الموظفة بالموظف، وغير ذلك من الازدواجيات في المعايير والأنظمة.
يصور العيسى كيف تردت الإدارة في عهد المديرين السعوديين وكيف تحول كل ذي منصب في الشركة إلى دكتاتور لا يستطيع أحد أن يقول رأيه صراحة أمامه بينما كان الحال على العكس من ذلك في عهد المديرين الأمريكان.
أسبوع رديء يبدأ بقهوة سوداء بدون سكر، وبأخبار عن زيادة مرتبات الأمريكان، وعن التحذير من التعرض لأعمال إرهابية، اسبوع يمر بنقاط التفتيش، وضجر من العمل الممل والنفاق المتواصل، ورغبة في الانتهاء من العمل والذهاب في رحلة ترفيهية برفقة العائلة إلى البحرين، لينتهي الاسبوع بقرار من المدير بضرورة الاجتماع يوم الخميس، لترتفع حدة الضجر، وتنفجر مشكلة عائلية على ضوء هذا القرار، قد لا يهم تداركها، ولكن ما يهم حقاً هو عدم النظر إلى الساعة لكي لا تكتشف بداية أسبوع رديء آخر. أسبوع رديء آخر (وأول قصة فيها هي «هايد بارك») إذ كان كعادته عند زيارته للندن يتجول هناك ويستمع إلى الخطباء، فهذا إسماعيل فوق صندوقه الخشبي يلعن أمريكا لازدواجية المعايير لديها ويتبعها بريطانيا... وقال متهكماً: بأن كوفي أنان قد اكتشف بعد ثمانية عشر شهراً بأن احتلال أمريكا للعراق غير قانوني، وتوجه إلى زاوية أخرى بالحديقة فوجد الباكستاني خان يخطب وضمن ما يقوله: هل عرفتم لماذا خلق الله المرأة؟
فذهب بعد ذلك إلى شخص يرفع لوحة مكتوب عليها: سوف تزداد الأمور سوءاً، فسأله: ما هي هذه الأمور؟ فرد عليه: ليس مهماً أن تعرف. واتجه لرابع يدعو إلى تحويل المملكة المتحدة إلى جمهورية ليتخلص من العائلة المالكة التي تكلف دافعي الضرائب بلايين الجنيهات. اتجه بعد ذلك إلى من يخطب ويدعو للماركسية.. وخامس وسادس ينادي جلالة الملكة بأن تأمر الأسطول البريطاني بغزو العالم فوراً لكي يعود مجد بريطانيا العظمى؛ ولتحل جميع مشكلات العالم.
ولاحظ وجود خطيب بريطاني من أصل هندي كثيف اللحية يرتدي ثوباً أبيض اللون إلى منتصف الساق، يخطب مبيناً أن الإسلام هو آخر الأديان السماوية، وتقف إلى جواره امرأة تبشر بالنصرانية وأمامها لوحة كتب عليها (يسوع هو المخلص)، وبعدها رجل بريطاني يحمل لوحة كتب عليها (كنيسة الإلحاد). وأخيراً وقف في حلقة الفوضوي رقم واحد توني على كرسيه الصغير، وهو يقول: الأخوات والإخوة يجب علينا إسقاط كل السلطات في العالم. نعم.. كل الأنظمة بدون استثناء يجب إزالتها، إن الظلم والاستبداد مرادفان للسلطة مهما كان نوعها: رأسمالية أو اشتراكية أو دينية.. أو أي هراء آخر. إن الحرية يجب أن تبنى على أساس الإرادة الفردية المستقلة والمستمدة من عقد حر يبرمه الناس فيما بينهم.
وأخيراً سمع في جانب آخر من يتحدث باللغة العربية، فذهب ليكتشف أن هناك فريقين من العرب يتجادلان بشدة حول الغزو الأمريكي للعراق والموقف من المقاومة العراقية، كان عدد الجمهور كبيراً جداً وجلهم من العرب زادت حدة الجدال، ثم اختفت الأصوات، وحل مكانها الصراخ:
اصمت يا ناصبي!
خسئت يا رافضي!
تباً لكم أيها الرجعيون!
أنتم وعلاوي عملاء لأمريكا!
لعنة الله عليكم يا مجرمين!
التاريخ لا يرحمكم يا خونة!
وفجأة تطور الأمر إلى ضرب ورفس وبصق. تدخل رجال الأمن لفض الشجار بين العرب وساعدهم في ذلك هطول المطر!
فتح مظلته، وابتعد عن موقع الشجار وخرج من (الهايدبارك) وهو يتمتم (وداعاً قريش.. وداعاً كليب.. وداعاً مضر!).