سمير صالحة
اورهان باموك واحد من أهم أربعة كتاب حداثيين في تركيا، قد لا يكون اكثرهم قراءة، لكنه اكثرهم رواجا واوسعهم انتشارا، حملته الصدفة ليؤرخ من قلب المواجهة وخط التماس الاول بين الحضارات والاديان والشعوب. منح نفسه حق الجلوس على مفترق من اهم واخطر تقاطع الطرق في «تقسيم» قلب اسطنبول. فوضع نظاراته وبدأ يرصد ويكتب التقارير عن اشخاص واحداث من دون استئذانهم، حولوه الى بطل القصة والرواية لأنه ابدع في تصوير تخبطهم وتداخلهم وصراعاتهم ورسم احزانهم وافراحهم وتجريدهم من اقنعة فرضها اسياد اللعبة على الشرق والغرب باسم صراع الحضارات. لكن فرحة الانتصار لم تكتمل بعد.
سخر منه القدر فمنحه أرفع اوسمة الأدب وهو خارج بلاده «الزعلان» منها والغاضبة عليه، فهو اقحم نفسه في شؤون حساسة، واطلق مواقف خارج الخط الاحمر المرسوم، فأشعلها انقساما بين الكتاب والادباء ورجال السياسة والاعلام في تركيا، بين مؤيد ومعارض، رافض وقابل، مادح ومنتقد، وتركنا وجها لوجه امام ازمة «مليون أرمني و30 الف كردي قتلوا» كلفته عدم نزول عشرات الآلاف من الاتراك الى الشوارع للتعبير عن فرحتهم، وهم كانوا في الشوارع اصلا استنكارا وتنديدا بقرار البرلمان الفرنسي، الذي قرر تصعيد مواجهته مع الاتراك بسبب الموضوع الأرمني.
لم يعد باموك الى بلاده لتستقبله الجماهير محمولا على الاكتاف، مع انه وعدها بأهم الجوائز «فهي هدايا مفخخة يقدمها الغرب دائما الى الشرقيين الموالين، والا فكيف نجح هو في «القوطبة» على يشار كمال وادونيس، الاقدم والاكثر احترافا وتعلقا بالمهنة»، رغم انهما لا يقلان عنه في التغريد الدائم خارج السرب.
انه سجال تركي آخر حول المنتصر الحقيقي في هذه العملية، هل هو الادب التركي الذي صنع باموك وغيره من عشرات المبدعين، ام انه باموك هو الذي حمل عبر جائزته هذه الادب التركي الى مرتبة العالمية الى ملايين القراء في اكثر من بلد وبأكثر من لغة.
رفع الأدب التركي الى العالمية ورفعته ـ كما يقول بعض منتقديه ـ الدياسبورا الأرمنية الى قصور العاصمة السويدية ليحصد أهم جائزة ادبية رغم اعتراضات العديد من الكتاب الاتراك، الذين اعتبروا انه «لو كان اللوبي الارمني على هذا القدر من القوة والانتشار، لكان سهل منح الجائزة لشخصية ارمنية اولا». ومع ذلك فإيضاحات اللجنة التحكيمية حول اسباب الاختيار ودوافعه «الادبية الروائية الابداعية» البحتة لن تنقذه وتبعده بهذه السهولة عن المواجهة، فأقواله حول شعوره بالراحة والاطمئنان «اكثر تحت الحماية الاوروبية» وهو يغادر قاعة محكمة اسطنبول التي تراجعت في آخر لحظة عن مقاضاته، ما زالت ماثلة امام الاتراك، ولبعض رجال السياسة والمتشددين والحسودين حساباتهم التي لا تنتهي.
حملة ذكية اخرى نراهن عليها من قبل اورهان باموك (لن تكون حتما اعادة الجائزة)، ستكون كافية لاسترداد عرشه الذي بناه بصبر في قلوب الاتراك وعقولهم، وهو سيفعلها حتما لأنه لن يفرط بهذه السهولة في «لقمة عيشه» وغذائه الفكري، ولن يتحمل طويلا البقاء في منفاه القسري الذي لن يغنيه عن ملاقاة ابطاله ودماه الذين ينتظرونه على احر من الجمر بعدما اجاد في تركيبهم، والا لما كان استدرج شيوخ نوبل الى منزل «جودت بك وابنائه».
نقطة رصده في «قلعته البيضاء» وغرفة كتابته التي يعمل فيها «ثلج» اسطنبول، سيكونان خيار باموك الاول، وهو لن يتحمل كثيرا الـ«تشرد» على ابواب اكبر واهم جامعات الغرب، فقراره ان يصبح اكاديميا وقرار اكاديمية نوبل باستدراجه المغري هذا، لن يكونا ابدا على حساب الآلاف من عشاق ومحبي باموك (القطن بالتركية) رجل قلب القطن هذا.