الاربعـاء 06 شعبـان 1427 هـ 30 اغسطس 2006 العدد 10137
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  







 

«قاموس الجريمة» في الأغنية الجزائرية: مطربون أم إرهابيون؟

عشاق ينتحرون وآخرون مدججون بالمتفجرات

الجزائر: الخير شوار

مع شيوع الأغنية الجزائرية ووصولها إلى العالمية، بدأ بعض المغنين الجزائريين يهذبون كلماتهم، ويضفون عليها بعض الرقة، من دون أن يختفي العنف بشكل كامل. فالعلاقة بين الحب والحرب، تكاد تكون عضوية، وقاموس العشق الغنائي الجزائري يؤكد ذلك، والعينات التي نسوقها هنا تبقى نماذج قليلة من ظاهرة مثيرة تستحق الرصد.

قبل أكثر من سنتين نقلت بعض الصحف الجزائرية خبر انتحار شاب قرب إحدى مدن الشرق الجزائري، بطريقة قمة في البشاعة والاستعراض عندما وضع رقبته على السكة الحديدية، واستمر واضعا إياها حتى وصل القطار المنتظر، ليفصل رأسه عن جسده، بل ويهشم رأسه بطريقة بشعة للغاية.

وحسب ما ورد في الخبر فإن المنتحر هو عاشق فاشل، وأن «ملهمته» في تلك النهاية التعيسة هي أغنية شبابية، كانت قنبلة صيف 2003 ميلادي، وما الأغنية إلا «جوزيفين» التي كان يحفظها الكبير والصغير وكانت ساعتها تسمع في كل مكان. وما جوزيفين إلا عنوان لقصة حب بين شاب جزائري مغترب وفتاة أوروبية ويقول رضا الطلياني، صاحب الأغنية القنبلة في مطلعها: «ساعة تبان لي عقلية.. نحط راسي في الراية.. ندير زوج شهود علي.. نقارع الماشينة ونقيس روحي قبالها.. جوزيفين واش درتي فيا»، ومعناها بالعربي الفصيح: «في بعض المرات، يخطر لي.. أن أضع رأسي على السكة الحديدية، وأتخذ شاهدي عدل.. وأنتظر القطار، لأرتمي أمامه.. فماذا فعلت بي ياجوزفين؟»، وحادثة الانتحار تلك لم تكن معزولة.. فقد تكررت ومعها ينفتح أمامنا موضوع يتمثل في أن الكثير من الأغاني الرائجة في السوق الجزائرية موغلة في العنف اللفظي، بل إنها تشجع على العنف في حق الذات وحق الآخرين، وتلك النوعية من الأغنيات ارتبطت بالهامش، وحاولت «الأغنية الرسمية» محاربتها، لكنها ثبتت وتحولت إلى قاعدة وغيرها استثناء.

من أقطاب أغنية الهامش، الذي ثبت ونال شهرة عالمية قبل أن تلتفت إليه المؤسسة الرسمية وتحاول الاستثمار في نجاحه خالد حاج إبراهيم المعروف باسم «الشاب خالد». وهذا الفنان، اشتهر بالكثير من الأغاني الهامشية، فيها الكثير من العنف والضياع، فهو يخاطب حبيبته في إحدى الأغاني القديمة قائلا: «قلبي وقلبك عند البوشي معلقين» ومعناها: «قلبي وقلبك معلقان عند الجزار»، والصورة بقدر ما هي مجازية فهي بالمقابل بشعة، بل ان الكثير من الأغاني التي تحقق النجاح الجماهيري والربح المادي، يتعمد كاتبوها التطرف في الخيال، واستعمال أعنف التعابير من أجل لفت الانتباه في محيط يشجع على الأمر. والشاب خالد اشتهر بأغاني كثيرة أخرى قمة في العنف، مثل التي يقول فيها مودعا حبيبته ووطنه، شاقا البحر على طريقة قوارب الموت الشهيرة: «خلوا البحر ياكلني ولا زعافها» (فلتتركوا البحر يبتلع جثتي، أفضل من القلق الذي عشته مع حبيبتي)، أو التي يقول فيها مودعا مدينة وهران في الغرب الجزائري (وهي مدينته ومدينة أغنية الراي)، «روحي يا وهران، روحي بالسلامة.. القلب اللي كان يبغيك أنا نكويه» (اذهبي يا وهران رافقتك السلامة.. فقلبي الذي كان يحبك سوف أقوم بكيه حتى يرتاح منك»، وغيرها كثير. والشاب خالد الذي حقق الانتشار العالمي في بداية تسعينيات القرن الماضي بأغنية «دي دي»، أصبحت كلمات أغانيه بعد ذلك مهذبة، لكنه انطلق فنانا هامشيا في نهاية السبعينيات، ومعظم أغانيه الأولى عنيفة متطرفة، وهي الأغاني التي ما زالت مطلوبة وما زال الكثير من الجمهور عندما يطلب تلك الأشرطة القديمة من المحل يقول: «اعطني الشاب خالد القديم»، ورغم الاشتغال الواضح للشاب خالد «الجديد»، إلا أن «القديم بكل عنفه ما زال هو المطلوب عند الشباب الجزائري.

ربما النجاح الخرافي الذي ما زال يعرفه «الشاب خالد القديم»، هو الذي جعل الكثير من فناني الهامش الجدد يحاولون الاستثمار في حقل العنف. وقد غنى منذ سنوات أحدهم يقول: «نديها ونروح وإلا تطيح روح»، (سوف آخذ معي حبيبتي وأرحل وإلا سوف تسقط ضحية»، ولس أعنف منها إلا تلك الأغنية التي انتشرت منذ أكثر من سنة بالشرق الجزائري، والتي يقول صاحبها في مطلعها: «نضرب بالموس والموكحلة والكابوس»، (سوف أحارب في سبيل حبي مستعملا السكين، والبندقية والمسدس)، ولم يشذ المطرب المسمى «الشاب عز الدين الشلفي» (المنسوب إلى مدينة الشلف بوابة الغرب الجزائري)، عن القاعدة، فهذا الفنان الهامشي، الذي فجر قنبلة غنائية سنة 2002 بأغنية يقول فيها: «واش جابك لي يا خيرة.. أنت صغيرة وأنا خواف» (ما الذي أتى بك إلي يا خيرة يا حبيبتي.. فأنت صغيرة في السن وأنا رجل جبان؟»، هذا الفنان دخل السجن بعد ذلك بسبب أغنية أخرى هي «شوف الحقرة» (انظر إلى الظلم)، وذلك بتهمة القذف في حق مسؤولين محليين ذكرهم واحدا واحدا، وقد حكمت عليه المحكمة بثمانية أشهر نافذه، وها هو الآن يصدر أغنية أخرى أكثر عنفا، يقول فيها مخاطبا الحبيبة: «هاك البيا (بالباء المضغوطة).. وتيري عليا وفرغي الشارجور» (خذي من يدي المسدس واطلقي علي النار، وافرغي كل الذخيرة الحية). وما زال مطربو الهامش الفني الجزائري، الذي يكاد يصبح مركزا في ظل غياب نموذج فني رسمي ناجح فنيا وجماهريا، يبدع في «ثقافة العنف» وسيتثمر فيها أبشع استثمار.

قد يقول قائلا إن تلك النوعية من الأغاني «الإرهابية» جديدة، وهي صنيعة سنوات الجنون الجزائري في تسعينيات القرن الماضي، غير أن بعض النماذج تفند ذلك وتثبت العكس، فهناك أغنية تراثية يصف فيها صاحبها حبيبته قائلا: «عينيك حب(بفتح الحاء) رصاص)» (عيناك رصاصتان)، بل وهناك نموذج أكثر وضوحا في التراث الغنائي يقول فيه صاحبه، «نزدم في الليل.. حزامي بالكرتوش ثقيل» (أهجم ليلا.. وحزامي تثقله الذخيرة الحربية)، وكل هذا العنف في سبيل الفوز بالحبيبة، وكأن تلك الثقافة الغنائية لا تفرق بين الحرب والحب، مثلما جاء في أحد دواوين غادة السمان.

التعليــقــــات
khalid hassan، «المملكة المغربية»، 30/08/2006
أظن أن الكاتب تحامل أكثر من اللازم على أغاني الراي و مغنو الراي، خصوصا الشاب خالد الذي وصلت شهرته كل القارات، لكنه نسي أن الراي كان دائما وسيلة الشباب لانتقاد الوضعية الاجتماعية المزرية لشعوب شمال أفريقيا، و كما غنوا في نظر الكاتب للعنف فقد كان الشاب خالد أكثر المغنين العرب غناءا للسلام (love to the people, imagine,...) و قد كان الراي و لازال و سيظل أسلوب الغناء المحبب في شمال أفريقيا ، وكان من الأحسن للكاتب انتقاد مثيلات نانسي عجرم و روبي.
مصطفى الحمداوي، «هولندا»، 30/08/2006
المقال يلفت النظر إلى ظاهرة هي مستشرية حقيقة في الجزائر والمغرب وربما كل المغرب العربي ، وتمتد جذورها إلى عشرات السنين الغابرة . ربما يعود السبب إلى حروب التحرير وأعوام السيبة وما صاحب كل ذلك من تمجيد واستعراض للقوة. مع ذلك أرى أن الظاهرة هي انعكاس لثقافة معينة موغلة في المجتمع وليس العكس. ولا أرى من ضرورة لإقحام الكاتب لمصطلح الإرهاب الذي لا ينسجم البتة ومضمون المقال .
مطهري منصور -وهران- الجزائر، «الجزائر»، 30/08/2006
شكرا على هذا الموضوع الجميل باعتبار أن الفن و الأغنية هي تربية قبل كل شيئ و قد ساهمت أغنية الراي بشكل لافت للإنتباه في نزع الحشمة والحياء بين أفراد المجتمع بل أكثر من ذلك صنعت أو على الأقل شكلت بيئة مناسبة للإنحراف و الجريمة و الفساد و الإنحلال الخلقي في المجتمع و هذا ينطبق على جميع الأغاني العربية و الفضائيات الغنائية خير دليل على مانقول و للإشارة فقط فإن أغنية الراي في الجزائر لايمكن التحدث عنها بشكل مسموع في العائلات و الأسر و لا أقول المحافظة فقط بل كل العائلات إلا ماندر و الشاذ لايقاس عليه و كان بالإمكان أن يسلط الأستاذ الكريم الضوء على الفن الجزائري الأصيل القديم (الشعر الملحون مثلا..) و الحديث (أغنية الشعبي مثلا..) و كيف لعب هذا الفن دوره في صياغة جيل أول نوفمبر 1954.
نادي مهدي، «الجزائر»، 30/08/2006
أشكر الكاتب على هذا المقال الجميل، لأنه أشار ـ ثقافيا ـ لظاهرة اجتماعية تكاد تكون سمة للمغرب العربي، وليس الجزائر وحدها، و هي تقديس القوة، والحديث بلغتها حتى في الحب...إنه مقال جيد جدا، و أتمنى على الكاتب المزيد من المقالات في هذا الاتجاه.
رضا بدر الدين، «الامارت العربية المتحدة»، 30/08/2006
اعتقد ان تكريس القوة احسن من تكريس الجبن والهوان الذي يأتي بواسطة روبي ونانسي والشلة المعروفة التي تؤثر في الشباب بشكل كبير فتنتج لنا مجتمعات خاوية ... اذا قام التقرير بالقول ان شابا جزائريا انتحر بسبب اغنية، فاود ان ان أذكر كاتبه ان العديد من الاسر الشرقية تهدمت وتشتتت بسبب اناقة نانسي ورشاقة روبي ودلع هيفاء ...
المشكلة في اغنية الراي انها غير مفهومة للكثيرين، ولقد اجتهد كاتب التقرير بترجمة بعض المقاطع من العامية الى العربية ليعزز وجهة نظره ولكنه اسقط اجزاء مهمة تعكس حقيقة الاغنية ومناسبة غنائها ..
لكل مجتمع ثقافته الخاصة التي تعبر عن تفاعلاته الذاتية وهذه الامور لا يمكن تعميمها على الجميع ... اغنية الراي لم تظهر اليوم وهي تراث شعبي تحبه النساء قبل الرجال، ولكن للاسف شهرة البعض تثير البعض الاخر وتجعلهم يتعاملون مع الامور بمنطق الولايات المتحدة الاميركية .. اغنية الراي لا يفهمها الا شعوب المغرب العربي وبالتالي تأثيرها محدود، ولكن اغاني الارهاب الناعم الذي تدعمه روتانا واخواتها هو الذي يحتاج الى وقفة ومراجعة وعلاج.
عبد الرحمان لوان، «المملكة المغربية»، 30/08/2006
الدراسة في الكلمات الغنائية جد مهمة ومثيرة من قبيل ما قرأ وأقترح فتح ملف آخر الميوعة في الأغنية العربية الراي نموذجا . من الأفضل استبدال كلمة الإرهاب في المقال بكلمة العنف.
الرماش محسن، «المملكة المغربية»، 31/08/2006
مما لا شك فيه أن الطابع يغلب التطبع و الحقيقة التي لا جدال فيها أن ما صوره المجتمع تنعكس بشكل كبير على الفن و الغناء، فما الراي إلا شكل من الغناء الذي يعطي صورة حية على طباع شباب الجزائر خلال عشرين سنة التي ختمت القرن الماضي و العنف السياسي و الاجتماعي الذي تعيشه الجزائر و يعيشه معها الشعب و على الخصوص الشباب الجزائري الثائر على أوضاعه و على سياسة البلد على العموم ، و ما ينطبق على أغنية الراي ينطبق على الأغاني الشرقية و بالأخص المصرية و اللبنانية حيث نرى التفسخ الأسروي و الانحلال الخلقي و انتشار الفساد بكل أوجهه ينعكس بصورة حية على الغناء حيث الميول الواضح للعري و دغدغة المشاعرالجنسية الباطنية للشباب هناك و ما يعانيه من كبت جنسي و ميول لكل ما هو محرم و ما يشعر الإنسان بالتوهان الفكري البعيد عن الواقع المجتمعي و كل ما يوصل للتشبه بحياة الغرب المتحررة و غير المقيدة ، ولعل الفضائيات العربية أصبحت مرتعا خصبا لممارسة هاته السلوك و ما نانسي عجرم والشاب خالد إلا و جهان لعملة واحدة و للأسف.
ليندة مداني..مدينة وهران..الجزائر، «الجزائر»، 14/03/2007
في البداية اشكركم على التطرق لهدا الموضوع...و لكن انوه عناية الكاتب ان اغنية الراي التي تحامل عليها ماهي الا امتداد لتراث جزائري عريق يعرف بالفن البدوي الملحون...و اوجه ملامتي من هنا من مدينة الفن و التنوع الثقافي الباهية وهران التي تعتبرعلى امتداد القرون معبر كل الحضارات...فاغنية الراي يا صديقي هي عصارة كل ما ذكرته ولا تستطيع ان تعمم بشكل كامل و نلام على هفوة مطرب او مطربة....فالاجدى ان تحاولوا دراسة السبب الذي جعل اغنية الراي هي الاغنية العربية الوحيدة التي وصلت للعالمية في الوقت الذي تعم فيه الاغنية الشرقية عن طريق الفضائيات بقاع الدنيا ورغم ذلك لم تحقق نفس الامتداد..ونحن كجزائريين جد فخورين باغنية الراي بالرغم من بعض الدخلاء الذين حادوا عن الاغنية الرايوية..ونتمنى ان تكون رسالتي هذه دعوة لكل العرب للتقرب اكثر من الجزائر و محاولة فهم كلامنا و لهجتنا من خلال ثقافتنا العربية الاسلامية المتوسطية..
صيفي محمد الأمين_شلغوم العيد_الجزائر، «فرنسا ميتروبولتان»، 29/03/2007
أستغرب الأسلوب الذي استعمله الكاتب في مهاجمة مغنيي الراي الجزائريين وتجريمهم بل وتحميليهم مسؤولية تلك الوفيات والانتحارات و...و....
أخبرك يا عزيزي الكاتب بأنك لو كنت جزائريا وعايشت صائفة 2003م لكنت أنت المنتحر عند سماعك أغنية جوزيفين وليس ذلك الشاب الذي كتبت عنه...
وأضيف بأن أغنية الراي بدأت من الجزائر ثم ذاع صيتها إلى العالمية بفضل الشاب خالد ،مامي، فضيل ، بلال، رضا الطلياني ، رشيد طه، حسني، ..... وهذه الأغنية -الراي- هي التي أخرجت الناس من الملل الذي كانوا يعيشون فيه.
وفي النهاية أود أن تغيروا نظرتكم التي تملكون حول الراي الجزائري ورواده... لأنهم نجوم مشهورون ومعروفون حول العالم ، وليسوا مجرمين أو إرهابيين كما ذكرتم.
أشكركم وأشكر الجريدة في النهاية.
 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Terms of use
شروط الانتفاع
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2014 © H H Saudi Research and Marketing LTD, All Rights Reserved And subject to Terms of Use Agreement .
© جميع الحقوق محفوظة للشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق وتخضع لشروط وإتفاق الإستخدام