الخميـس 17 رجـب 1422 هـ 4 اكتوبر 2001 العدد 8346
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  







 

الفراغ.. حينما يكمل المعمار

وليد أحمد السيد*
(منظومة الفراغ) هي نظرية تعنى بفهم وقراءة وتحليل الفراغ المعماري والحضري. وقد طورها البروفيسور بل هيلير خريج جامعة كامبردج، والذي يجري ابحاثه حاليا مع مجموعة من زملائه بجامعة لندن (كلية بارتلت للعمارة) منذ منتصف السبعينات. وتعتمد هذه النظرية على اعادة قراءة الفراغات المعمارية والحضرية بناء على مفاهيم ومعادلات وحسابات رياضية بتحويل العلاقات الفراغية الى علاقات رياضية تأخذ بعين الاعتبار موقع الفراغ بالنسبة للمنظومة الفراغية ككل ضمن المبنى المعماري الواحد أو ضمن النسيج الحضري للمدينة.

وتستمد هذه النظرية اصولها من مبادئ منطقية في تمثيل الفراغات ضمن منظومة ما، حيث لاحظ البروفيسور هيلير انه لو كانت لدينا منظومة فراغية ما ضمن مبنى معين مربع الشكل فإن العلاقات الفراغية لهذه المنظومة لا تختلف فحسب باختلاف المنافذ المباشرة وغير المباشرة بين الفراغات المختلفة، بل ان القيم الرياضية للفراغات بالنسبة لعلاقتها ببقية المنظومة تخضع لاختلافات جوهرية ايضا. وبتمثيل الفراغات ضمن منظومة ما بمجموعة من الدوائر المترابطة التي تعكس علاقاتها ضمن المنظومة الفراغية فإن الشكل الناتج (والذي يشبه الشجرة المتفرعة) يمكن من ادراك التباين بين المنظومات الفراغية المختلفة بالعين المجردة.

وقد نشر البروفيسور (هيلير) ابحاثه في العديد من المجلات المتخصصة، كما نشر نظريته لأول مرة عام 1984 في كتابه (المنطق الاجتماعي للفراغ) بالتعاون مع الدكتورة (جوليان هانسون) الباحثة بنفس الجامعة، وتلا ذلك عام 1996 كتابه «الفراغ هو الآلة» على غرار مقولة (لوكوربوزييه) الشهيرة: (البيت آلة للعيش فيها)، والذي يشرح نظرية (منظومة الفراغ) باسهاب، حيث يكشف الاسس المنطقية التي تستند اليها النظرية، بالاضافة الى تطبيقاتها الممكنة على البيئة المبنية ضمن الاطار الاجتماعي والثقافي. وتستند هذه النظرية الى نظريات في علم الاجتماع والبيئة بافتراض ان الفراغ المعماري والحضري هو نتاج لتفاعلات اجتماعية وثقافية وغيرها والتي تتجسد فيزيائيا وحسيا بالفراغات المعمارية والحضرية وتجسد هذه الفراغات تشكيلات مختلفة يتم التعبير عنها بطريقة تتبع اسس حضارية واجتماعية متباينة. المميز في هذه النظرية عن غيرها هو ادعاؤها بامتلاك ادوات (لاستعادة) هذه القيم الاجتماعية الحضارية المخبوءة في الفراغات وتفسيرها ضمن اطارها الحضري والحضاري بطريقة تستند الى المنطق الرياضي عدا عن التفسيرات التاريخية أو الآراء الشخصية، كما تتعامل مع المعطى الفيزيائي للفراغ بغض النظر عن مدى توفر المرجعيات التأريخية، وتتجلى قوة النظرية خاصة في المقارنة بين منظومتين فراغيتين أو اكثر، حيث تمكن من الكشف عن التشابه والتباين بينها وباسقاط النتائج ضمن اطرها الحضارية تمكن النظرية من استقصاء ما يبتغي الباحث من الكشف عنه اعتمادا على وسائل اقرب منها للعلمية من الرأي الشخصي وهو ما تعاني منه معظم النظريات المعمارية والتصميم الحضري التي تعالج مفهوم (الفراغ في العمارة).

وفي معرض التطرق لمداخلات واطروحات النظرية عالميا، فقد جرى أول مؤتمر عالمي عام 1997 بلندن، تناول ابرز الابحاث العالمية التي تستخدم هذه النظرية في تطبيقاتها المعمارية والحضرية. كما تلاه مؤتمر ثان عام 1999 في البرازيل، والمؤتمر الثالث عقد اخيراً في اميركا في الفترة (8 ـ 11/5/2001)، ويجري عقد مؤتمر دوري كل سنتين في دولة مختلفة، حيث تلاقي النظرية وتطبيقاتها صدى عالميا واسعا، وقد اعلن ان المؤتمر الرابع سيكون في لندن مرة اخرى عام 2003 وقد تم تطوير النظرية منذ عام 1967، حيث كانت المعادلات الرياضية والمعلومات تخضع للتحليل بطريقة يدوية، ومع منتصف الثمانينات وبتقدم علوم الكومبيوتر امكن ادخال النظرية الي حيز علم الحاسب الالكتروني، حيث يمكن حاليا ادخال المعلومات الفراغية الى برامج كومبيوتر تم تطويرها وتمويلها بجامعة لندن تمكن من اعطاء النتائج البيانية بدلالات رقمية أو لونية يتم اخضاعها للتحليل والمقارنة للاستنتاج والاستنباط على ضوء الخلفية التاريخية الفكرية أو الاجتماعية الثقافية والحضارية الخ. اما تطبيقات النظرية التي جرت حتى الآن فواسعة النطاق شملت العديد من الثقافات المختلفة، فعلى مستوى الابحاث العلمية والاكاديمية، فقد قام العديد من الباحثين لنيل درجات اكاديمية باسقاط وتطبيق النظرية على ابحاثهم المعمارية، ومنهم (هدى البحار) التي قامت بدراسة ما ينوف على المائة من بيوت الكويت التقليدية سعيا لكشف الاسس الكامنة والتي تربط البيت العربي رغم تباين المظهر الخارجي أو الفترة التي تم البناء فيها، وهناك ابحاث اخرى لاستقصاء دور الفناء في البيت العربي من قبل الباحثة (ريم زاكو) بجامعة لندن، وفي نفس الاطار تم اسقاط النظرية على بيوت من ثقافات اخرى كالبرازيل، وانجلترا وغيرهما، ويجري كاتب المقال حاليا بحثه حول اشكالية الاصالة والمعاصرة في العمارة العربية كاطار عام، مع تضييق نطاق البحث بدراسة وتحليل 88 بيتا تراثيا في خمس مدن عربية (القاهرة، بغداد، تونس، صنعاء، والسلط بالاردن) مع المقارنة بعشرين بيتا لمعماريين معاصرين (حسن فتحي وراسم بدران) باستخدام نظرية (منظومة الفراغ) كاحد منهجيات البحث والتحليل. اما في مجال التطبيقات على النسيج الحضري فقد كانت مدينة لندن من أولى المدن العالمية التي تم تحليلها باستخدام الكومبيوتر وشكلت نتيجة التحليل غلاف كتاب (هيلير) الاخير، ولا تكاد تكون هناك مدينة عربية أو عالمية لم تخضع للتحليل والمقارنة على مدى الابحاث التي تسارعت منذ بداية التسعينات بتوافد العديد من الباحثين والمعماريين المهنيين الى جامعة لندن لدراسة النظرية، ومن المعماريين العالميين هناك (نورمان فوستر) والذي يتآلف مع (مختبر منظومة الفراغ) لدراسة الظواهر الحضرية وحل ابرز مشاكل المدن الضخمة والمكتظة كالازدحام والجريمة ضمن عطاءات حكومية أو خاصة، وايضا المعمارية العراقية (زها حديد) وغيرها. وقد تمت دراسة مدن شمال افريقيا كمكناس وفاس وغيرهما، بالاضافة الى مدن ايرانية ومقارنتها مع مدن انجليزية من قبل الباحث الايراني (كيفن كريمي). وتجرى ايضا حاليا ابحاث مختلفة متسارعة في انجلترا بجامعات اكسفورد، وكامبردج، وغيرها اعتمادا على هذه من يرية كمنهجية علمية، اضافة الى جامعات اميركا، تركيا، قبرص، اليونان، استراليا، وغيرهما. وكذلك المشاريع التي تستخدم النظرية لحل مشاكل معينة في مدن عالمية مختلفة ببريطانيا، أو استراليا، أو عدة مدن أوروبية اخرى.

ولعل تميز النظرية كما ذكر انها تنزع الى العلمية الموضوعية من جهة، والتحليلية والاستنباطية من جهة اخرى اكثر منها الى السردية الوصفية أو التحيزية الاهوائية الشخصية. بيد انها كنظرية تظل خاضعة للاخذ والرد، الا ان سمة المقارنة في منهجية البحث التي تطرحها تمنحها ميزة ايجابية، اذ ان المقارنة بين عنصرين باستخدام ذات الآلة تكشف اوجه التشابه والاختلاف بين العنصرين بمعزل عن ماهية الآلة ذاتها، علما بأن آفاق النظرية لا تزال واسعة وتكشف عن باب مفتوح للبحث والتحري في الثقافات المختلفة وضمن معطيات الحضارة ذاتها، والمعرفة معين لا ينضب.

* معماري وباحث عربي بجامعة لندن

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Terms of use
شروط الانتفاع
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2014 © H H Saudi Research and Marketing LTD, All Rights Reserved And subject to Terms of Use Agreement .
© جميع الحقوق محفوظة للشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق وتخضع لشروط وإتفاق الإستخدام