الثلاثـاء 15 ربيـع الثانـى 1429 هـ 22 ابريل 2008 العدد 10738
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  







 

النفاق الاجتماعي

د. عائض القرني
أصبح لكل رمز ديني أو سياسي أو وطني بطانةٌ يمارسون معه لعبة التضليل والتَّملّق والتّزلّف والمديح المزيف، فشيخُ العلم لديه أتباع من المحبِّين والمعجبين يخلعون عليه صفات الكمال ويوهمونه بأنه بركة العصر، ووحيد الدهر وشبيه البحر، وأن الله نفع بعلمه العباد والبلاد، وأن كتبه وفتاويه ودروسه شرّقت وغرّبت، فيصدّق المسكين ويقع في الفخ ويصاب بداء العجب والتيه. والسياسي عنده بطانة تقتات بكلمات الإطراء ومقامات الثناء الممجوج، وتوهمه بأنه الملهم وقلب الأمة النابض ومحبوب الجماهير، وتذكر له أحلاماً منامية كاذبة تدل على صلاحه وعدله وإيمانه واستقامته، وتخبره هذه البطانة أن العجائز في البيوت يدعون له، وأن الشيوخ والأطفال يعيشون على حبّه، وأن عدله وصل الجميع وبرّه وَجُوده عمّ الكل، (فيتوهّق) و(يتورّط) في دهاليز العلو في الأرض والتّكبر على عباد الله والتّجبر على الأمة. والأعيان من العسكريين والتجار والمشاهير لهم جُلاّس وسُمّار يمارسون معهم لعبة الضحك على الذقون وتمويه الحقائق، ويعطونهم صورة خاطئة عن الواقع ليكسبوا الحظوة لديهم، وينالوا شرف صحبتهم، ويبتزوا أموالهم، فإذا غابوا عنهم سلقوهم بألسنة حِداد شِداد، فإذا أتيتَ تريد المكاشفة والصدق والوضوح والشفافية ضاع صوتك بين الأصوات وصرت ثقيلاً وأصبحت نشازاً، فتضطر رغم أنفك للمشاركة في حفل تأبين الضمير وفي جنازة موت الحقيقة، وهذا يدلّك على الغثائية التي وصلت إليها الأمة. أما كان الأعرابي يحاور عمر ويناقشه وهو على المنبر؟ أما طلب عمر من الناس تيسير المهر وعدم المغالاة في الصداق، فقامت امرأة من آخر المسجد فقالت لعمر: يا عمر كيف تريد تقليل المهر والله تعالى يقول: (وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا(؟ فصاح عمر: أصابت امرأة وأخطأ عمر. نحن لا نطلب من الناس سوء الأدب مع الرموز الدينية والسياسية والوطنية وسائر الناس، ولا التجريح ولا التشهير، ولكن نطالب الجميع بالكف عن هذا النفاق الاجتماعي وحجب الحقائق وإدخال هذه الرموز في نفق مظلم من الوهم. يقول الحسن البصري: «تولّى الحجاج العراق وهو عاقل كيّس، فما زال الناس يمدحونه حتى صار أحمق طائشاً سفيهاً»، فلما ضعف الوازع الديني عند الأمة وقلَّ الصدق أكثرتْ من ألقاب المديح وصفات التّزلّف بعدما كان الصحابة في عصر الخيريّة والقيادة والريادة ينادي بعضهم بعضًا، فيقولون: يا أبا بكر، يا عمر، يا عثمان، يا علي، وهم قد فتحوا القلوب والأسماع والأبصار والبلدان بالإيمان والعدل والسلام، ولكن الرئيس العربي ركَّبَ على صدره النياشين وعلى أكتافه النجوم وفي الشوارع أقواس النصر وهو لم ينتصر في معركة واحدة بل إن أجزاء من بلاده تحتلها إسرائيل.

إن تمويه الحقائق على الرموز وصنّاع القرار والمؤثِّرين معناه ضياع البلاد والعباد، فهؤلاء المتملِّقون والمتزلِّفون من البطانة همهم أنفسهم، وهم الذين يحملون شعار (كل شيء على ما يرام)، فتجد الشيخ مثلاً عنده أخطاء كبرى ومغالطات عظمى لكن بطانته يصوّبون قوله وفعله حتى يوصلوه إلى درجة العصمة، فيبقى على خطئه، ويستمر على أوهامه، والسياسي تُحجب عنه حقائق الوطن والناس تحت مظلّة (الناس مرتاحون ويدعون لكم وهم في أرغد عيش وأحسن حال)، فيُعطَّل اهتمام الوالي بأحوال الناس وحاجاتهم، وتنحدر البلاد في التّخلّف والفقر؛ لأن هذه العصبة قد ضمنت مصالحها، واطمأنت لمستقبلها، فلا يعنيها حال أحد من البشر.

فينبغي أن تُخلع الأقنعة السوداء عن وجوه هذه البطانة التي تحفّ بالوالي والعالم والوجيه والرمز؛ ليرى الأمور كما هي، وتتضح له الأشياء على حقيقتها، ويتخذ القرار المناسب والقول المناسب والرأي المناسب في الوقت المناسب، وبإمكانك أن تسأل كل بطانة متنفّذة نفعية عن الرمز الذي تحفّ به فسوف تسمع من التقديس والغلو والإطراء ما تنفر منه الأسماع، وتشمئز منه الطباع، ويورث الرأس الصداع.

التعليــقــــات
عواطف علي احمد (الكويت )، «الكويت»، 22/04/2008
مقال رائع جزاك الله خيرا يا شيخنا الكريم. واضيف أن النفاق والتملق ليس فقط للرموز الدينيه والسياسيه بل قد تعجب انه موجود وبكثره في جميع الاوساط ونشاهد ذلك في حياتنا اليوميه العاديه في المدارس الوزارات ... وللاسف فهذه النفوس الضعيفه تقبل بالنفاق لأمور دنيويه تافهه، عافانا الله والمسلمون من هذا الداء ووقانا شره.
رياض الشهري، «المملكة العربية السعودية»، 23/04/2008
مقال جميل جداً واتمنى من جميع الرموز الذي ذكرهم الشيخ سواء كانوا سياسيين او غيرهم ان يقرأوا هذا المقال، وان يخافوا الله فيمن تحتهم لابد للرئيس ان ينزل للشارع ليعرف معاناة شعبه. رئاسة الدول ليست مقتصرة على الخدم والحشم وقصور وسيارات فارهة واستقبالات ومجمتع مخملي ارستقراطي بل هي اصعب من ذلك كثيرا ولكن الجهل اعمى اعينهم فقع الله اعينهم. ان تكون مسؤولاً اعلى عن جميع الوزارات وانت تكون مشرفاً على مطالب الشعب .. ولكن الواقع غير ذلك بكثير.. واقعنا مدح وكذب وزخرفة متخلفة.. الم تروا ماذا يفعل الغرب الذين نشتمهم في كل يوم برؤسائهم انهم ينتقدونهم لكي يصلحوا من انفسهم ولكننا لا ننتقد لاننا وبإختصار نحن العرب نحب من يمدحنا ويجمل لنا حياتنا.
ولابد من هذه الحاشية لكل رمز ان تكون صادقة فيما تنقله لسيديها، وان تخاف من ربها .
كم انت رائع يا شيخنا الفاضل ، ولكن نريد منك التطرق لأوضاع الشعوب اكثر فأكثر، لقد ملننا حقاً من المدح الكاذب وابيات الشعر التي جعلتنا نفيض شعرا وادباً غير واضح نريد ان ننقد انفسنا لكي تتضح لنا الرؤية ونصلح من حالنا الميت هذا...
شكرا ياشيخنا.
عبدالله الجنوبي، «المملكة العربية السعودية»، 23/04/2008
أحسنت يا شيخ .. والله أن البطانة الفاسدة لها دور كبير في خراب البلاد .. وعدم تطبيق القرارات ..وضيق العيش .. ونهب المال .. والتعدي على الثوابت .. واليوم نعيش الكارثة في قرارات غريبة في البلد مصدرها رموز الشياطين في حاشية بلاط الأمير وكلي أمل فيك يا شيخ ومن هم أمثالك في كشف الأقنعة عند ولي الأمر ... فقد تستطيع مالا يستطيع غيرك ... وياليت تكتب عن الفساد في البلاد أسبابه وتطوره .. وأسال الله أن لا يخيب ظننا فيك فنراك مداهنا في يوم ما ..!
أحمد محمد عبدالله - جدة، «المملكة العربية السعودية»، 23/04/2008
اتفق مع الأخت عواطف في أن النفاق الإجتماعي لم يعد محصور في الفئات التي ذكرتها لكنه تغلغل في كل الطبقات للأسف الشديد وأصبح الكثيرون بوجهين يمدحون رئيسهم أو مديرهم في العمل أمامه وإذا غاب شتموه وعابوه. تنقصنا الشفافية والمصداقية الموجودة في بقية الأمم. هل نحن أمة عاطفية ؟! أم أن هذا جبن وضعف أم هو دناءة وخسة؟!
عامر نوطان، «المملكة العربية السعودية»، 23/04/2008
بارك الله فيك ياشيخ عايض ونفع بعلمك اما انك ولله قد لامست موضوع هو نكبة الأمة نعم هذه أنه ابتلاء شديد فيهم القليل الصالحون وأغلبهم منتفعون مرائون مطبلون وبعضهم جهلة يجيدون فقط التملق ويهمهم فقط مصالحهم المادية حتى ولو هلكت الأمة والتاريخ يشير إلى ان هذه البطانة الفاسدة ما وجدت في عصر من العصور واستشرت إلا وأدت الى دمار البلاد والعباد.
احمد الواسطي، «الدنمارك»، 23/04/2008
السبيل الوحيد للقضاء على النفاق الاجتماعي هو باقامة نظام ديمقراطي عادل يكون الحكم فيه للقانون وليس للفرد. دعونا ايها الشيخ الجليل عن لغة الخطابة ولنلتجئ الى لغة الواقع الذي يعيشه العالم الديمقراطي . فهنا في الدنمارك لا يستطيع النفاق الاجتماعي ان يعيش , اولا وعلى سبيل المثال ان رأس السلطة في هذا البلد لا يعيش في ابراج عاجية ولم تحفه من كل جانب رجال حماية هم بوابة النفاق ولكنه يعيش بدون حماية ويسير وحده في الشارع ويختلط مع الناس فهو يعرف حقيقة الوضع من خلال معايشته اليومية مع الناس فحتى تسوقه البيتي يقوم به كأي فرد في المجتمع فمن هنا يستطيع ان يعرف احوال الناس واحوال السوق والشيء الثاني والمهم هو ان رأس السلطة لا يملك ولا يستطيع توزيع المال لمن هب ودب كما يحدث في مجتمعاتنا , لأن هناك سيطرة محكمة على المال من قبل دائرة الضريبة وهذه الدائرة تعرف كم فلس يدخل ميزانية الدولة وكم فلسا يخرج من هذه الميزانية ولأي غرض. ان خير وسيلة للقضاء على هذا النفاق المرض هو بتجفيف بيئته السياسية والدينية من خلال اقامة نظام سياسي تغييري بين الفترة والاخرى واقامة مرجعية دينية متغيرة , فالثبات هو قاعدة النفاق.
عبد الرؤوف محمد ربيع من الكويت، «الكويت»، 23/04/2008
ماشاء الله ياشيخنا الفاضل في كل مرة أقرأ لك مقالا يزداد حبي لك ولفكرك الحر الناضح الذي نحن بحاجة له في هذا الوقت العصيب الذي تمر به الأمة المجاملة الكاذبة والتزلف أصبح يسري في دمنا وعلاجها الوحيد هو غرس تقوى الله في النفوس و تفعيل الآية الكريمة وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور فربما تكون البطانة التي تحدثتم عنها الحقد والكره لصاحب المركز عالما أو رئيسا أو مديرا وتتمنى أن يخسف الله به الأرض ولكن مع ذلك لا تجد في كلامهم له إلا الثناء والإطراء إما لمنحة أو لعلاوة أو لأمر دنيوي آخر نسأل الله العلي القدير أن يجعلنا وإياكم ممن لا يخاف في الحق لومة لائم.
جزاكم الله على كل ما تقدمونه لنا وبارك الله فيكم.
صالح الموسى / الرياض، «المملكة العربية السعودية»، 23/04/2008
الملام هنا بالدرجة الاولى يا شيخ عائض هم أهل البلد أنفسهم، هم من يستطيع إعمار البلد وخرابها، بل في كثير من الأحيان يفسدون الوالي الصالح كما حدث مع الحجاج. لماذا صلح الخلفاء الراشدون؟ لأن الناس أصلا في ذلك الوقت كانوا في عمومهم كذلك. عندما سأل الناس أحد الحكام بأن نائبه يسرق رد عليهم بأن هذا الرجل ليس مستوردا! هو ابن البلد من أين أتيكم بأشخاص صالحين؟
كمال ذهبي، «المملكة المغربية»، 23/04/2008
شكرا جزيلا يا شيخ عائض على هذه النصائح. رسول الله (ص) يقول: (من مدح فقد دبح) يجب على العاقل ان يستوي عنده المدح والذم بل يفرح عندما ينصحه احد لما لذلك من تنبه للاخطاء وتقويم للاعوجاج وشكرا لك مرة اخرى.
حسن محمد عبد الحليم- جدة، «المملكة العربية السعودية»، 24/04/2008
نشكر شيخنا الفاضل الشيخ الدكتور/ عائض القرني على مقاله وهو شكر في محله وليس تملقا أو نفاقا إجتماعيا كما هو عنوان مقاله فالشيخ وإن كانت شهادتى فيه مجروحه ونحسبه كذلك ولانزكي على الله أحدا من الدعاة المخلصين ودليل ذلك حب الناس له وأنا واحد منهم فهو دليل على محبه الله له ولانملك إلاأن نقول جزاك الله خيرا وبارك الله فى جهودكم.
خالد مصطفى افتيتة، «فرنسا ميتروبولتان»، 24/04/2008
الدين والسياسة الاستراتيجية لا ترتبط بالمال
سميح محمد الطراونه، «الاردن»، 24/04/2008
جزاك الله كل خير يا شيخنا لقد تحدثت بمقالتك عن واقع يمس مجتمعاتنا ويأرق الامه من هؤلاء الذين يزيفون الحقائق ويّدعون ان كل شيء كامل ولله تعالى الكمال من قبل ومن بعد نسأل الله الصلاح والسداد على هدي نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
صالح بن أحمد هلال ...جدة، «فرنسا ميتروبولتان»، 24/04/2008
الشيخ عائض بارك الله فيك وفى علمك ونفع به.لاشك ان النفاق الاجتماعي يسري فى المجتمع سريان النار فى الهشيم وهذا نذير شؤم . ومتغلغل من الرأس حتى اخمص القدمين. شيخنا العزيز أرجو ان تسمح لي ان أسألك هذا السؤال، ما هو السبيل للخلاص من هذا الشر المستطير وعلى من تقع مسؤولية اصلاح المجتمع؟ ولكم مني خالص الدعاء.
sسعيد الغامد /جده المملكة العربية السعود، «فرنسا ميتروبولتان»، 24/04/2008
كلام جيمل يا شيخ عائض جزاك الله خيرا. الكل يثني على طرحم فاين تصنف ذلك؟ هل هو نوع من النفاق ام انه ثناء مستحق؟ عندما يصلح القول والعمل يصلح الراعي والرعية والله اعلم بالسارير.
مريم إلياس، «المملكة العربية السعودية»، 25/04/2008
أصبت يا شيخ عائض (ولا أقولها نفاقاً) في رأيك ولكن إلى متى سنظل في هذا النفاق الذي أصاب مجتمعاتنا الإسلامية وللأسف انه أصاب كل الشرائح الاجتماعية داخل المؤسسات المختلفة.
محمد الكردي، «المملكة العربية السعودية»، 26/04/2008
جزاك الله عنا كل خير و نتلاقى فى جنه الفردوس ان شاء الله ان كلامك لهو الماء البارد الذي يغسل قلوبنا فى ظل صحراء ليس بها سوى ما تفضلت وذكرت من النفاق و الرياء و انها ليست لدي الشيوخ و السياسين فقط و لكنها وصلت الى الشركات و المؤسسات فالموظف المثالى يا شيخنا ليس من يتقى الله فى عمله و انما هو من يستطيع التسلق و التملق لأعلى الادارت فهو مثالياً و الله المستعان.
 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2010 © Saudi Research & Publishing Company (SRPC)