الخميـس 09 صفـر 1427 هـ 9 مارس 2006 العدد 9963
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  







 

حمى التيفوئيد وشبه التيفوئيد ما زالت تهدد الإنسان

ظهور فصيلة شديدة المقاومة للمضادات الحيوية والعلماء يعكفون على تطوير لقاحات مضادة

الرياض: «الشرق الأوسط»
تمكن الباحثون اليونانيون اخيرا من الكشف عن انتشار وباء الحمى المعوية من نوع التيفوئيد في أثينا قبل أربعة قرون من الميلاد. وحذرت هذا الشهر دراسة في مجلة الأمراض المعدية الطارئة، من انتشار نوع من البكتيريا المسببة لحمى شبه التيفوئيد في آسيا، تمتاز بأنها مقاومة للمضادات الحيوية المستخدمة عادة في علاجها. وبدأت في الولايات المتحدة الشهر الماضي دراسة مهمة لاختبار أمان وكفاءة لقاح جديد ضد حمى التيفوئيد، للتغلب على مشاكل قصور اللقاحات المتوفرة اليوم.

ويعتقد العلماء في اليونان أن أحد أسباب سقوط أثينا إبان الحرب الضروس بينها وبين أسبرطة فيما بين عامي 431 وعام 404 قبل الميلاد هو انتشار وباء حمى التيفوئيد typhoid fever ثلاث مرات أثناءها. ويعزو العلماء السبب إلى أن من تكتيكات الحرب آنذاك تطلب من القائد الأثيني بيركلس أن ينقل مجموعات السكان الذين تجاوز عددهم في ذلك الوقت الـ 100 ألف نسمة ليعيشوا في أماكن ضيقة اكتظت بهم. وكان الباحثون من كلية طب الأسنان في جامعة أثينا قد أجروا دراسات اعتمدت علي تحليل الحامض النووي لأسنان رفات ثلاثة أشخاص اكتشفت مقبرتهم عام 1994 ضمن مجموعة من 150 رفاتا أخرى، تمثل مقبرة جماعية يعود تاريخها تقريباً إلى عام 430 قبل الميلاد، التي دلت طريقة الدفن ووضعية الجثث المبعثرة أنها تمت على عجل نتيجة وفاة جماعية بأحد الأوبئة.

وأشار البحث كما هو منشور في النسخة الالكترونية للعدد القادم من المجلة الدولية للأمراض المعدية، إلى أن تحاليل حافز سلسلة تفاعلات البلمرة polymerase chain reaction قد دل على وجود البكتيريا المسببة لحمى التيفوئيد. ويعتزم الباحثون كما صرح البروفسور مانوليس باباغريغوراكاس الباحث الرئيس في الدراسة استكمال البحث لمعرفة المزيد عن وباء أثينا ذاك.

* حمى آسيا

* من جهة أخرى حذرت المؤسسة الدولية للقاحات في نشراتها مؤخراً أن التقارير من آسيا تشير إلى زيادة رقعة الإصابة بحمى شبه التيفوئيد من فصيلة شديدة المقاومة للمضادات الحيوية المستخدمة حالياً من نوع فلوروكوينيلين fluoroquinolone، هذا بالإضافة إلى أن اللقاح المتوفر لحمى التيفوئيد لا يُجدي نفعاً للوقاية من حمى شبه التيفوئيد. والدراسات من الصين تشير إلى أن هذا النوع يشكل 60% من حالات الحمى المعوية، وتتفاوت النسبة ما بين 14 و64% في دراسات مناطق كراتشي بباكستان وكلكتا في الهند وشمالي جاكرتا في اندونيسيا. وهذا هو ما تحدث مؤخراً عنه أيضاً الباحثون من مؤسسة جواهرلال للأبحاث والدراسات العليا بجامعة بونديشيري في ولاية بونديشيري الهندية الجنوبية، وبدعم من مؤسسة ويلكم ترست سينغر العلمية لأبحاث الجينات والأمراض في كمبريدج ببريطانيا. وصدرت في عدد أول هذا الشهر من مجلة الأمراض المعدية الطارئة دراسة حول الأهمية المتنامية لموضوع هذا النوع من الحمى المعوية، وتؤكد على الحاجة إلى إبداء الهيئات العلمية عناية خاصة لهذا الأمر من نواح عدة، أهمها وسائل التشخيص وتوفير اللقاح ومقاومة البكتيريا للمضاد الحيوي وغيرها من الجوانب. العدوى والمرض.

* انتشار المرض

* ينتشر المرض بشكل رئيسي في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، لكن حالات كثيرة من الإصابات الفردية أو الوبائية رصدت في السنوات الماضية في العديد من الدول العربية، سواء في منطقة الخليج العربي أو شرق البحر الأبيض المتوسط أو شمال أفريقيا. هذا كما أن الناس في الدول التي لا ينتشر فيها المرض هم لا يزالون عرضة أيضاً للإصابة به، إذْ وفق ما يشير إلىه المركز فإن 75% من الحالات السنوية في الولايات المتحدة هي نتيجة التقاط البكتيريا أثناء السفر إلى خارجها، وتقارير وكالة حماية الصحة في بريطانيا تشير إلى ارتفاع نسبة الإصابة بكل من نوعي حمى التيفوئيد خلال الأشهر الماضية وتحديداً منذ بداية هذا العام في انجلترا وويلز. وتؤكد الإحصائيات الحديثة لمركز السيطرة على الأمراض بالولايات المتحدة إلى أن أكثر من 21 مليون شخص يصابون سنوياً في العالم بالحمى المعوية، وتضيف النشرات الحديثة لمنظمة الصحة العالمية أن الوفيات منها تبلغ سنوياً حوالي 600 ألف شخص.

* الأعراض

* الحمى المعوية تشمل نوعين من أمراض الحميات هما حمى التيفوئيد وحمى شبه التيفوئيد paratyphoid fever. وتفصيلاً تتسبب بكتيريا سالمونيلا تايفي Salmonella Typhi في حمى التيفوئيد، وببكتيريا سالمونيلا باراتايفي Salmonella Paratyphi A في حمى شبه التيفوئيد. ولا تعيش بكتيريا التيفوئيد إلا في الإنسان، والمريض المصاب يحملها في دمه وأمعائه، ويتعافى ظاهرياً حوالي 5% ، كما تقول نشرات المركز، من المصابين بالمرض لكنهم يظلون حاملين للبكتيريا، وينشرونها بين الناس كما يفعل المرضى من خلال البراز. من هنا يُصاب الإنسان بالمرض عند شرب أو تناول أطعمة ملوثة بها، وبعد دخولها إلى الجهاز الهضمي تنتقل البكتيريا إلى الدم ومن ثم تظهر الأعراض على المصاب.

تظهر الأعراض بعد ما بين 5 إلى 14 يوما من دخول البكتيريا إلى الجسم، التي تبدأ تدريجياً بإعياء عام وصداع وسعال جاف وألم في الحلق مع ألم في البطن وإمساك. أثناءها ترتفع حرارة الجسم تدريجياً لتصل إلى 40 درجة مئوية، وتستمر بعدها كذلك، ليزداد الإعياء والمرض وربما الإسهال. ومن ثم قد يتضخم الطحال ويظهر بعد ذلك طفح وبثور جلدية. ولعل أحد أهمها مما يظهره الرسم التوضيحي المرفق هو أنه بالتزامن مع ارتفاع درجة حرارة الجسم إلى حد درجة 40 مئوية فإن نبض القلب لا يرتفع بل ينخفض، وهو من الحالات النادرة في الأمراض الحمية المعدية.

* التشخيص والعلاج

* وأفضل وسيلة لتشخيص العدوى هي زرع عينة من الدم للكشف عن وجود البكتيريا فيه، وهو ما يُعطي نتائج إيجابية لدى 80% من حالات المرضى في أول أسبوع، خاصة حينما لم يسبق لهم تناول مضاد حيوي أثناء بدء المرض. بعدها تقل فرصة اكتشاف البكتيريا في الدم، ولعل زرع عينة من نخاع العظم تساعد في التشخيص. ويصعب اعتماد الطبيب على تحليل مزرعة البراز، لأن اكتشاف وجود البكتيريا فيه حينما تكون النتيجة ايجابية هو أمر لا يُعتمد عليه في تشخيص سبب أعراض المصاب. والسبب هو اشتباه الأمر بين المرضى وبين حالات الأشخاص الحاملين للبكتيريا إذْ تكون حينها تحاليل مزرعة البراز كذلك إيجابية.

وحين الإصابة مع إهمال العلاج أو عدم تقديمه للمريض، فإن الأمر يعرضه إلى الوفاة بنسبة 20%، بينما يقلل العلاج بالمضاد الحيوي من هذه النسبة العالية لتصبح فقط 1%. وتتحسن صحة المريض خلال ثلاثة أيام في الغالب، لكن من المهم التنبه إلى ضرورة إكمال مدة العلاج كما ينصح الطبيب المتابع، التي عادة تكون أسبوعين. وهو من سيجري عدة مرات فحصا للبراز من أجل التأكد من خلوه من البكتيريا.

وحتى بلوغ نظافة الجسم من البكتيريا، فإن على المريض المحافظة على النظافة الشخصية وربما تحاشي إعداد الطعام لنفسه أو لغيره. ولعل من أغرب القصص التي اُستخدمت كمثل، هي حالة الأميركية ماري مالون من منطقة نيويورك، التي كانت حاملة للبكتيريا وتعمل كطباخة في أوائل القرن الماضي، وتسببت في عدوى المئات قبل اكتشاف أمرها. وحينها تم منعها من العمل، لكنها عادت إلى نفس عمل الطبخ بعد تغيير اسمها، ونشرت المرض مرة أخرى بين الناس، مما حدا بالسلطات آنذاك إلى الحجر عليها، وتوفيت بعد 23 يوما بسبب جلطة في الدماغ. ومشكلة حاملي البكتيريا لا تزال مستعصية على الأطباء حتى اليوم، لأن تناول المضاد الحيوي أياً كان نوعه غير مجد تماماً في تخلصه منها، لكنه يستحق المحاولة علي أمل. ويقترح البعض إجراء عملية استئصال المرارة كأحد الحلول المطروحة والتي أثبتت جدوى لدى بعض الحاملين، باعتبار أن البحث يشير إلى المرارة كحاضن ومستودع للبكتيريا في أجزاء الجهاز الهضمي.

* لقاحات مضادة لحمى التيفوئيد > أعلنت المؤسسة القومية للأمراض المعدية والحساسية في الولايات المتحدة في منتصف شهر فبراير الماضي، عن بدء دراسة تجمع بين خصائص الدراسات الطبية الأولى والثانية حول نوع جديد من اللقاح لحمى التيفوئيد من نوع تي واي 800، وتهدف الدراسة إلى التأكد من نتائج دراسة مبدئية سابقة أشارت إلى أمان وكفاءة اللقاح الجديد.

وستشمل الدراسة ثلاث مجموعات، كل منها مكون من 54 شخصا، ومتابعة تأثير تناول جرعات ثلاث مختلفة القوة بعد ستة أشهر للتأكد من ظهور الأجسام المضادة لبكتيريا سالمونيلا تايفي بعده. والذي يدفع إلى هذا الطرح الجديد حول لقاح حمى التيفوئيد هو أنه بالإضافة إلى مسألة تزايد مقاومة البكتيريا لمفعول المضادات الحيوية المستخدمة اليوم، فإن النقطة الساخنة الأخرى اليوم في أبحاث حمى التيفوئيد المعوية بنوعيها المتقدمين هو اللقاح. واللقاح الأميركي الجديد يمتاز بأنه ذو جرعة واحدة تُؤخذ عبر الفم موجه بالدرجة الأولى ضد العدوى بحمى التيفوئيد دون وعد بأن تشمل كفاءته الوقاية من حمى شبه التيفوئيد.

الشفاء من بعد الإصابة بهذه الحمى يعطي الإنسان مناعة مدى الحياة ضدها، وهو ما يبرر سلامة كثير من السكان في المناطق الموبوءة وإصابة زائريهم من السائحين. لكن ما هو متوفر لهؤلاء السياح اليوم من لقاح لا يفي بالغرض من ناحية تحقيق مناعة تامة أو حتى عالية ضد العدوى، فكما تقول منظمة الصحة العالمية هناك نوعان من اللقاح تم إنتاجهما خلال الخمس عشرة سنة الماضية، أحدهما مكون من قشرة البكتيريا يعطى تحت الجلد أو في العضل عبر حقنة واحدة، ويمكن من إعطاء مناعة ضد التيفوئيد بعد 7 أيام بنسبة 75%، تقل إلى 55% بعد 3 سنوات، أي أن الحاجة تدعو إلى أخذ اللقاح مرة أخرى حينذاك. والثاني مكون من فيروس مُضعف، يعطى عبر الفم من خلال 3 جرعات تُؤخذ مرة كل يومين، أي أنه يحتاج 6 أيام للتناول، كما أن مفعوله يظهر بعد أسبوع. ويقدم مناعة بنسبة 70%، تظل حوالي خمس سنوات. وكلاهما لا يعطى للأطفال دون سن الثانية من العمر.

إلا أن كليهما موجه لبكتيريا حمى التيفوئيد دون حمى شبه التيفوئيد.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Terms of use
شروط الانتفاع
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2014 © H H Saudi Research and Marketing LTD, All Rights Reserved And subject to Terms of Use Agreement .
© جميع الحقوق محفوظة للشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق وتخضع لشروط وإتفاق الإستخدام