الاربعـاء 23 جمـادى الاولـى 1426 هـ 29 يونيو 2005 العدد 9710
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  







 

شخصية قروسطية مثيرة تربعت على كراسي السلطة والجاه

التهامي الكلاوي باشا مراكش وأسد الأطلس الذي أدخل لعبة الغولف إلى المغرب

الرباط: محمد بوخزار

أصدر الصحافي المغربي عبد اللطيف جبرو، اخيرا، وفي فترات متقاربة ثلاثة كتب، هي في حقيقتها تعليقات وتصويبات ومواقف عن احداث سياسية في اغلبها او عن من كانوا وراءها، ضمنها في كتب، استوجبت من (جبرو) المتابع اليقظ للاحداث والتطورات السياسية في المغرب المعاصر الادلاء بدلوه لتصحيحها او اضاءتها او تقديم رواية مخالفة لها، تكمل الثغرات والنواقص التي تشكو منها، في اعتقاده.

تلك المؤلفات التي انجزها اصحابها ارضاء لفضول معرفي او دفاعا عن النفس وتبرئتها من اتهامات طالتها، او تعرية لجوانب معتمة في تاريخ المغرب الحديث.

والاصل في اصدارات جبرو، جميعها، انها سلسلة مقالات مواكبة للكتب التي قرأها وفحصها وانفعل بما فيها، نشرها في جريدة يومية. ويتعلق الامر اولا، وعلى التوالي بمذكرات عميل المخابرات السابق، احمد البوخاري، وشهاداته او بالأحرى مروياته عن ملفات وقضايا غامضة، تتصل بالعالم السفلي للاجهزة السرية المغربية والاجنبية. وثانيا مؤلف الباحث الاميركي جون واتربوري المعنون: امير المؤمنين والنخبة السياسية المغربية، الذي صدرت له اخيراً ترجمة الى العربية اكثر تدقيقا من الاولى التي صدرت من قبل في لبنان بأسماء مستعارة. اما المراجعة الثالثة في صورة كتاب فقد خصها للكتاب الذي الفه احد الشخصيات المرموقة المقربة من القصر الملكي: عبد الصادق الكلاوي، نجل الحاج التهامي باشا مراكش، الاشهر في تاريخ المغرب، خلال النصف الاول من القرن الماضي، وسليل اسرة خدمت عددا من ملوك الاسرة العلوية، وبلغ قمة نفوذه وسطوته وقوته في ظل الحماية الفرنسية للمغرب، اذ كان في فترة احد دعائمها وركائزها القوية، لكنها في النهاية انقلبت عليه وتخلت عنه نتيجة أخطائه القاتلة، وبسبب حسابات وأوضاع مستجدة، فرضها تطور الحركة الوطنية في المغرب.

والكتاب الذي يحمل عنوان الباشا التهامي الكلاوي (قراءة في كتاب الاستاذ عبد الصادق الكلاوي عن والده) يخالف الكتب الاخرى ذات الطبيعة المماثلة، فالكاتب الصحافي، (جبرو) لا يشكك في محتوى الكتاب موضوع التعليق والمراجعة، بل يؤيد ويتبنى تقريبا كل ما قاله عبد الصادق عن والده، لدرجة يتساءل معها القارئ عن الدوافع التي حملت (جبرو) على إعادة اصدار ما هو صدى واستنساخ للكتاب الاصل، خاصة وقد ترجم الى العربية عن الفرنسية، وبالتالي اصبح الاطلاع عليه ميسرا. قد يكمن الجواب او التبرير في كون (جبرو) اعتقد ان الناس لا يميلون في الغالب الى قراءة ما يكتبه الابناء عن ابائهم، ويضعونه موضع الشك والريبة، اضف الى ذلك ان صورة الباشا الكلاوي او أسد الاطلس، كما كانت تنعته الصحف الاجنبية وكذلك المغاربة، صورته ليست واضحة تماما في ذهن العديد من أبناء وطنه، فالوطنيون الواعون الذين عاصروه يعتبرونه اقطاعيا متسلطا، متعاونا مع الاستعمار الفرنسي الذي ضمن للباشا النفوذ والسطوة على مدينة مراكش واقاليم الجنوب، التي بسط سيطرته عليها وتحكم فيها من خلال شبكة القواد واعوان السلطة المؤتمرين بأمره. واخطر من ذلك، أنه تآمر مع الفرنسيين لعزل الملك الشرعي ونفيه الى الخارج. وفي المقابل لا تبالي الاجيال الحديثة الشابة بسيرة ومسار هذا الرجل الاشكالي حقا الذي تمثل اطوار حياته المتقلبة والملتبسة منبعا ثريا لروايات او أشرطة سينمائية او حتى اعمال مسرحية. اذ تجمع في شخصية الكلاوي كثير من العناصر والمقومات الدرامية والمفارقات الصارخة. فهو الرجل الكريم الذي يغدق الهدايا على ضيوفه الذين يحلون بمراكش، ويسارع الى استضافتهم واكرامهم والوقوف على تفاصيل مقامهم في قصره الذي خص به جناحا لضيوفه من كبار القوم المغاربة والاجانب. عندما يخالطهم، يتجرد من علياء سطوته ويستمع ويصغي اليهم بامعان. ولا بد من التنويه هنا الى ان صداقات باشا مراكش، كانت واسعة وممتدة داخل وخارج المغرب، خاصة في فرنسا الدولة الحامية وبريطانيا التي دعي، على سبيل المثال، الى حضور احتفالات زواج ملكتها اليزابيث الثانية باعتباره في مقام رجل دولة وارتباطاته الوثيقة برئيس الوزراء الراحل ونستون تشرشل، الذي حل مرارا ضيفا على الكلاوي في مراكش، كما اكرم الكلاوي وفادة مشاهير آخرين امثال السينمائي شارلي شابلن.

ومن الجوانب المثيرة والمحيرة حقا في شخصية الرجل، انه كان مدركا لاهمية التقدم والتطور الاجتماعي، معتبرا التربية والتعليم ركيزته الاساسية، لذلك علم ابناءه وادخلهم الى المدارس الحديثة، ومنهم نجله عبد الصادق الذي سيصبح فيما بعد مستشاره الاثير، كما يعد اول من ادخل رياضة الغولف الى المغرب. لكنه في المقابل ساير آراء محيطه التقليدي المحافظ، او المنافق، وناوئ الافكار التجديدية التي كان يدعو اليها بحماسة، شباب الحركة الوطنية في المغرب، بل ان (الباشا) انكر حتى على الملك الراحل محمد الخامس، خروج بناته سافرات باللباس الاوروبي، وذهابهن الى المدارس الحديثة، ومشاركتهن في انشطة اجتماعية وثقافية، فيما اعتبر الوطنيون حضورهن دعما مباشرا وصريحا من والدهن لمبادئ وتوجهات الحركة الوطنية الممثلة آنذاك في حزب الاستقلال، الذي قاسم الكلاوي العداء، ما اوقع هذا الاخير في الخطيئة التاريخية بمساندته مخطط المقيم العام الفرنسي الجنرال غيوم الذي ازاح الملك الشرعي ونفاه الى خارج الوطن، ونصب على العرش صنيعة له هو (محمد بن عرفة) مستغلا انتساب هذا الاخير الى الاسرة الحاكمة.

شكل انحياز الكلاوي الى صف القوى الاستعمارية المحافظة، وتسهيله مهمة عزل رمز المشروعية في البلاد بالاعتماد على اذنابه القواد الاقطاعيين، في وقت اشتدت فيه جذوة كفاح الحركة الوطنية، شكل الضربة القاصمة له خاصة بعد ان تنبهت فرنسا الى خطورة المناورات والتصرفات المتهورة الصادرة عن مثلها في المغرب (غيوم) والتي اضحت محكومة بالفشل، لذا سارعت الى فتح قنوات الاتصال والتفاوض مع الحركة الوطنية، انتهت بالاتفاق على عودة الملك محمد الخامس، التي كانت ايذانا بانطفاء شمعة الكلاوي، الذي ختم حياته بتقديم الاعتذار وطلب الصفح من الملك العائد الذي استقبل بابتهاج شعبي عارم، فتدهورت صحته ووافته المنية بعد مرور فترة وجيزة على استقلال المغرب. الذي كان اسد الاطلس يعتقد ان أوانه لم يحل بعد، مبررا بقاء الاستعمار الى حين استكمال بناء مقومات الدولة العصرية. والحقيقة ان الرجل الذي عاش في اجواء قروسطية، صعب عليه ان يتخلى عن وضع اجتماعي وسلطوي كثير الاغراء في الداخل والخارج، استسلم له بالتذاذ واصبح يعتقد انه محاط بالعناية الالهية (ص 124).

يخرج القارىء لكتاب جبرو، بصورة شبه كاملة عن الكاتب الاصل الذي لخصه، ومفاده ان ابن الكلاوي، حاول قدر الامكان ان يتجرد من عواطفه الطبيعية حيال ابيه، ويقدمه كشخصية تاريخية اثرت كثيرا في تاريخ المغرب، بما لها وما عليها، وانتظر بصبر الى ان انتزع من والده التصريح القنبلة الذي اعاده الى صف الاجماع الوطني بمبايعته للملك العائد المظفر محمد الخامس.

اما الخاصية الثانية للكتاب الاصل، فهي اللغة الرائقة التي لم تفقدها الترجمة بريقها وجمالها التي حرر بها عبد الصادق الكلاوي صفحاته عن ابيه، والتي تزخر بالمعلومات والاحداث والوقائع الغريبة والتفاصيل الحياتية المثيرة، عن والد خلف في قصره عندما مات عام 1956 حوالي 100 امرأة بين خادمة وجاريه، وارملة واحدة هي والدة عبد الصادق.

وكان الباشا قد تزوج شرعا بخمس سيدات، خلف منهن 9 ابناء احياء لحظة وفاته، لا تضع بينهم شريعة الارث فرقا سواء كانت امهم جارية ام زوجة شرعية (ص 47).

يحتاج الباشا الى من يعاود الكتابة عنه، لكن لا غنى لمن يتناول شخصيته عن كتاب ابنه عنه.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Terms of use
شروط الانتفاع
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2014 © H H Saudi Research and Marketing LTD, All Rights Reserved And subject to Terms of Use Agreement .
© جميع الحقوق محفوظة للشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق وتخضع لشروط وإتفاق الإستخدام