الجمعـة 15 جمـادى الثانى 1431 هـ 28 مايو 2010 العدد 11504
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  







 

«العم صابر».. شيخ لاعبي الأراجوز في مصر

أضحكت عروسته الجمهورين العربي والأوروبي

مصطفى عثمان، الشهير بـ«العم صابر» الذي يحاول الوقوف ضد انقراض فن الأراجوز
القاهرة: محمد عجم
«أرى إيه.. أرى إيه.. أرى أرى أراجوز.. أراجوز وسايقها هبل في جنان.. أنا قلبي ملان جدعنة وحنان.. وأبان ساهي سهتان سهيان.. إنما عقلي للعدل ميزان.. أنا فلتة إنما مش فلتان».

كلمات تغنى بها الفنان العالمي عمر الشريف في فيلمه الشهير «الأراجوز»، وبالكلمات ذاتها وغيرها تعود عروسة الأراجوز لكي تشدو من جديد، ولكنها تأتي هذه المرة على لسان العم «صابر المصري»، شيخ لاعبي الأراجوز في مصر.

يعتبر الأراجوز سيد فنون الفرجة الشعبية في مصر، وهو موجه إلى الأطفال والكبار، ويعتمد على تقديم اسكتشات فنية ونصوص مسرحية غنائية - أو ما يطلق عليه «نمرة» - تُقدّم بأسلوب كوميدي بسيط وبلغة عامية بصوت مميز، تصاحبها «زُمّارة» بين حين وآخر، على لسان الأراجوز. ذلك الشخص المعروف بأنه فهلوي وذكي و«ابن بلد»، الذي يسعى دائما للدفاع عن الفقراء وإصلاح المجتمع.

من أشهر فناني الأراجوز في العصر الحديث كان الفنان محمود شكوكو (1985 - 1912)، أما في الوقت الحالي فلا يوجد سوى مصطفى عثمان، الشهير بـ«العم صابر»، الذي يحاول الوقوف ضد انقراض فن الأراجوز بتقديم عروضه للجمهور من خلال فرقة «ومضة» لخيال الظل والفنون الشعبية، ومحاولته تدريب بعض الشباب الراغب في تعلم هذا الفن، بعد رحلته الطويلة مع الأراجوز، التي تمتد إلى نحو خمسين سنة.

اقتربنا من العم صابر في الكواليس، بعدما انتهى لتوه من أحد العروض أمام الأطفال، وشرح لنا وهو يخلع عروسة الأراجوز من يده: «تعرّفت على فن الأراجوز في سن الطفولة عندما شاهدت عرضا للفنان شكوكو في ميدان الكيت كات. وقتها تسلقت إحدى الأشجار لأشاهد العرض، وانبهرت بما قدمه لاعتقادي أن الأراجوز شخصية حقيقية تتكلم وتمثل وتغني. ولكن بعد قليل لاحظت أن الأراجوز مجرد عروسة خشبية، فأعجبتني الفكرة وزاد تعلقي به، ومع انتهاء العرض قرّرت تعلم هذا الفن».

عالم آخر جديد دخله الصبي مصطفى في بداية رحلته مع الأراجوز، فرغم فقده عينه اليسرى نتيجة إصابته بحمى التيفوئيد في صغره، مما جعل والدته تطلق عليه اسم «صابر» لصبره على قضاء الله، استطاع التنقل بين الموالد والمسارح في محافظات مصر لكي يتعلم الفن على أيدي كبار لاعبي الأراجوز في مصر.

لم يكن الأمر سهلا، وبدأت الرحلة بخدمة الفنانين وحياكة ملابس الأراجوز والتنقل بين القرى والمدن. وخلالها تعلّم من الفنانين الغناء والتمثيل وحفظ عنهم أكثر من عشرين «بابة»، أي النص المسرحي الذي يقوله الأراجوز لجمهوره، والذي يكون في معظمه حكايات وقصص من التراث المصري الشعبي.

ويتابع «العم صابر» حديثه فيقول: «جاءت لي الفرصة الحقيقية لتقديم فقرات الأراجوز عندما اختلف أحد اللاعبين مع مدير المسرح وترك العمل، فطلب مني المدير تقديم النمرة، والحمد لله نجحت، ومنذ ذلك الوقت وأنا أمارس مهنتي كأراجوزاتي، أقدمه كفقرة فنية خاصة بي في المسارح والموالد، أحاول إسعاد الأطفال وتعريفهم بالتقاليد والصحيح من الخطأ، حتى عرفني جمهور الأطفال - والكبار أيضا - وتعلقوا بشخصية الأراجوز الذي أقدمه».

من أدوات «العم صابر» التي يستخدمها في أداء شخصية الأراجوز «الأمانة»، وهي الأداة التي يستخدمها لاعب الأراجوز في أعلى فمه لتصدر صوت الأراجوز المميز، وهي عبارة عن أداة صغيرة مصنوعة من قطعتين معدنيتين في داخلهما تجويف صغير به وتر، وعندما ينفخ فيها تحدث تغييرا في صوت مستعملها، كما يستخدم أحيانا عصا صغيرة يمسكها بيده، هدفها خدمة النص وإحداث مواقف كوميدية داخل العرض.

بعد سنوات من تقديمه «نمرة» الأراجوز بشكل فردي، التحق «العم صابر» بالسيرك القومي لتكون له فقرته الخاصة وكذلك فقراته مع «الساحر»، وأشهرهم «الساحر» فؤاد المصري، ومنه اكتسب لقب «المصري»، لتزيد شهرته خلال الستينات من القرن الماضي باسم «صابر المصري».

وبعد سنوات أخرى من إتقان «صابر المصري» مهنته المحببة إلى قلبه اتجه إلى شارع محمد علي وشارع عماد الدين، المعروفين باحتضان الفنانين وصناعة الآلات الموسيقية. وفيهما التقى «العم صابر» بأشهر لاعبي الأراجوز في مصر حينذاك، وأشهرهم أحمد زوربة ونعمة الله العجمي ومصطفى الأسمر، ومعهم زادت شهرته بعدما ساعدوه بفتح أبواب جديدة للعمل كتقديم الأراجوز في الحفلات المدرسية وأعياد الميلاد وحفلات بعض العائلات الأرستقراطية.

ومع خفوت نجم شارع محمد علي وتدهور حال المرتبطين به، وتراجع مظاهر الاحتفال بالموالد الشعبية، تأثر حال الأراجوز وتراجع دوره. واليوم، يقتصر نشاط «العم صابر» على بعض العمل الخاص الذي يأتيه بين حين وآخر، حتى عام 2003، عندما حدث تحول كبير فانضم إلى فرقة «ومضة» لفنون الأراجوز وخيال الظل، عندما كان مؤسسها ومديرها الدكتور نبيل بهجت، أستاذ المسرح بجامعة حلوان، يبحث عن أشخاص ينعشون فن الأراجوز وينهضون به.

ويواصل «العم صابر» سرده قائلا: «انضممت إلى فرقة (ومضة) منذ 7 سنوات، وأحدثت تغيرا في مسيرتي مع الأراجوز، إذ قدمتني الفرقة إلى جمهور أوسع في دول الوطن العربي، فشاركت في مهرجانات متعددة وسافرت إلى دول أوروبية كثيرة حصلت منها على عدة جوائز. الفرقة تحاول الحفاظ على تراث الأراجوز وتقديم حكاياته كما كانت من عشرات السنين، وأنا أحاول من خلالها تدريب بعض الشباب الذي يحب تعلم هذا الفن.. فالفرقة مثل مدرسة يلتحق بها من يرغب في تعلم الفنون الشعبية».

من عادة «العم صابر» أن يبدأ عرض الأراجوز أولا بإلقاء نظرة متفحصة على الجمهور، ليحدد «النِّمَر» التي تصلح لهذا الجمهور وتجعله يتفاعل معه، كما يراعي عند عروضه في الخارج، خصوصا في أوروبا، الإكثار من الحركات الكوميدية لإنجاح العرض، لأن الجمهور لا يفهم اللغة العربية التي يتحدث بها الأراجوز، ثم يبدأ في الوقوف خلف «برفانه» (حاجبه) الخشبي ليبدأ عروضه.

ومن أهم «النِّمَر» التي يحرص عليها وتحمل رسائل تعليمية خاصة، نمرة «الأراجوز ومراته» التي تعرض لمشاكسات الأراجوز مع زوجته، ونمرة «الأراجوز والبخيل» التي يسعي الأراجوز فيها لتأديب الشخصية البخيلة، ونمرة «أراجوز في مزاد» التي يناقش مفاهيم الاستهلاك على الصعيد الإنساني، إلى جانب نِمَر أخرى.

عن رسالة هذه «النِّمَر» يقول «العم صابر» موضحا: «عروض الأراجوز التي أقدمها أحاول من خلالها تعليم الأطفال بعض الأخلاق والقيم كالصدق والشجاعة والأمانة وغيرها، وهي تناقش أيضا بعض المفاهيم كالاستهلاك والفساد، من خلال دخول الأراجوز في صراعات مع الأشرار في المجتمع، أو عبر تواصل الأراجوز مع شخصيات قريبة له مثل زوجته، وهنا أحاول أن أخلق مساحة تفاعلية مع الجمهور، فنجاح عرض الأراجوز لا يتحقق إلا في حالة مشاركة الجمهور فيه».

ويسرح «العم صابر» للحظات، وتلمع عينه المبصرة بالدموع، ثم يحدثنا: «شعور لن أستطيع أن أنساه حتى أموت، عندما كرّمني قبل فترة صندوق التنمية الثقافية المصري على هامش الملتقى الثالث للعروسة الشعبية، وذلك تقديرا لرحلتي الطويلة مع الأراجوز ولسنوات عمري التي تخطت السبعين. وقتها لم أستطع حبس دموعي، خصوصا مع عرض أجزاء من نِمَري الخاصة وإلقاء نبذة عني كان عنوانها (شيخ لاعبي الأراجوز في مصر)».

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Terms of use
شروط الانتفاع
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2014 © H H Saudi Research and Marketing LTD, All Rights Reserved And subject to Terms of Use Agreement .
© جميع الحقوق محفوظة للشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق وتخضع لشروط وإتفاق الإستخدام