الخميـس 03 جمـادى الاولـى 1429 هـ 8 مايو 2008 العدد 10754
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  







 

رسائل حب بأقلام كبار المشاهير.. تظهر من جديد

كشفت إحداها أن سان إكزوبري كتب لحبيبته «وداعاً» قبل أن تختفي طائرته وإلى الأبد

باريس: أنيسة مخالدي

«لم يمض يوم دون أن أحبك، لم أقض ليلة دون أن أفكر فيك، لم أتناول فنجان شاي دون أن ألعن المجد والطموح اللّذين يجعلاني بعيداً عن روح حياتي. وسط انشغالاتي، وأنا أقود الجنود، وأجوب المعسكرات، وحدها عزيزتي جوزفين تقبع في قلبي، تحتل روحي، تشغل تفكيري. إذا كنت قد ابتعدتُ عنك بسرعة جريان نهر الرون، فلكي أعود بسرعة لأراك، إذا كنت أستيقظ ليلا لأعمل، فلكي أستعجل عودتي لرفيقة عمري الرقيقة». من يصدق أن كاتب هذه السطور الولهة هو نابليون بونابرت 1769 1821-أحد أكثر أباطرة أوروبا بطشًا وقوة. إنها مقاطع من الرسالة التي بعثها من مدينة نيس لزوجته جوزفين وهو في طريقه للفوز بحملة إيطاليا سنة 1796. النسخة الأصلية للرسالة عرضها مؤخراً «متحف المخطوطات والرسائل» في باريس، ضمن معرض حمل اسم «حدثني عن الحب». وهي من أروع ما كُتب من رسائل حب، وقد كلفت المتحف مبلغ 100 ألف يورو لاقتنائها سنة 1997. فالإمبراطور العظيم بالإضافة لعبقريته السياسية والعسكرية، تبين انه كان ضليعاً بفن الرسائل التي دبّج منها ما يزيد على 33 ألف رسالة معظمها موجود في «المكتبة البريطانية». وكان نابليون يستطيع إملاء أكثر من 10 رسائل لمعاونيه، وإن كان قد كتب أجملها بخط يده لزوجته الأولى جوزفين إلا أنه كتب رسائل حب أخرى لزوجته الثانية الإمبراطورة المجرية «ماري لويس» ولعشيقته «ديزيريه كلاري» التي نُفيت معه لجزيرة «سانت هيلين».

على مبعد أمتار من نابليون نجد رسائل الإمبراطور الروسي ألكسندر الثاني 1818 ـ 1881، أكثر ملوك روسيا شعبية على الإطلاق حتى سمي بـ «ألكسندر المّحرر» لإصلاحاته التي قام بها لتحرير الفلاحين من النظام الإقطاعي سنة 1861. عُرف الإمبراطور بشخصيته الرقيقة وحبّه الشديد للأميرة كاترين الملقبة بكاتيا. وهي قصة خلدتها رسائله الملتهبة إليها طيلة عقد من الزمن حتى تزوجها سنة 1880 ليغتال بعد سنة فقط على يد المتمردين. الرسائل التي لم يصبها سوى قليل من الاصفرار بفعل الزمن، كتبت بلغة فرنسية راقية. وهي ميزة تلك الفترة التي كانت فيها لغة موليير تنتشر بين أوساط النبلاء في روسيا، وقد جاءت كلها خالية من إمضاء الإمبراطور تحسبا لوقوعها في يد الجواسيس ومن ذكر لاسم «كاتيا» ما عدا كلمة «مبو نا بسردا» التي كان يضعها دائما في نهاية الرسالة وتعني بالروسية «إليك إلى الأبد» وكانت بمثابة كلمة السرّ بينهما. الخطابات مؤرخة ومرّقمة وعليها التوقيت كأنها مفكرة يومية، يصف فيها الإمبراطور لحبيبته الأحداث المّهمة التي يعيشها بعيدا عنها، ويعبر فيها عن مخاوفه من الإطاحة به، وحماسه لتحسين أوضاع الفقراء. وتظهر شخصيته الرقيقة حين نراه يكتب برومانسية في إحدى الرسائل: «أحّس من جديد كم أننا منجذبان لبعضنا بعضا، لدرجة تخيفني وأنت تعلمين لماذا. لا تتهميني يا ملاكي العزيز بأن رسائلي قصيرة، أنا اكتب كلما سنحت الفرصة، واعترفت لك أن ذلك أصبح صعباً مع انشغالاتي الكثيرة، حيث لا أجد إلا الليل لأستدرك فيه ما فاتني من أخبارك».

رومانسي مرح، وتلقائي أيضاً فيكتور هوغو. هذا ما يمكن ان نكتشفه بالاطلاع على خطاباته العاطفية. فالسياسي والرسام والأديب الفرنسي الكبير صاحب رائعة «البؤساء» و«أحدب نوتردام»، كتب أكثر من 20 ألف رسالة حبّ، معظمها لعشيقته الممثلة «جولييت» التي تعرّف إليها سنة 1833 وكتب لها على امتداد 50 سنة دون أن يتمكنا من الزواج، لأن تقاليد المجتمع الفرنسي كانت تمنع زواج النبلاء من الممثلات. رسائل هوغو كانت جولييت ترد عليه برسائل مرحة تارة ومعاتبة تارة أخرى، تبدأ دائما بعبارة: «عزيزي توتو»، وتعتبر من أرق ما كتب من رسائل الحب في الأدب الفرنسي، ودراستها سمحت باكتشاف تأثير جولييت على أدب هوغو وبخاصة رائعته «البؤساء»، إذ أستلهم شخصية «كوزيت» بطلة القصة من الحياة الحقيقية لجولييت التي نشأت يتيمة وفقيرة قبل أن تصبح ممثلة معروفة. ونظراً لكثافة الخطابات التي تبادلها الاثنان، حيث إن كليهما كان يكتب للآخر صفحتين إلى أربع كل يوم، فقد ضمت معلومات عن الحقبة التاريخية التي عاشها هوغو وسمحت بتحديد مواقفه من أحداث مهمة، كمعارضته لنابليون الثالث ونضاله وهو وزير ونائب من أجل تثبيت قواعد حرية التعبير والتعددية السياسية. فقد كتب هوغو لحبيبته في ديسمبر 1851 بعد فقدانه لابنته ليوبولدين ونفيه لبلجيكا: «هذه سنة قد مضت يا ملاكي، كانت سنة آلام وكفاح ومحن. لكن السنة التي ستبدأ ستكون سنة أمل وسعادة وحب، لا شك في ذلك. أنا منفي ومبعد عن أهلي، مجروح في قلبي، ورغم ذلك، كلما تطلعت إلى وجهك خُّيل إليّ ان السماء تبتسم لي».

على مبعدة أمتار من رسائل هوغو، عرضت أخرى تنشر لأول مرة للطيار الأديب «أنطوان دو سان إكزوبري» صاحب الرواية الرائعة «الأمير الصغير». ومعروف أن الكاتب الطيار كان دائم الكتابة لوالدته التي جمعته بها علاقة قوية وسبق ونشرت مجموعة رسائله في كتاب جميل بعنوان «رسالة لأمي» (دار غليمار). لكن رسائل دو سان اكزوبري التي بعثها لفتاة فرنسية تعرف عليها في الجيش ووقع في حبها وهو في مهمة بين مدينتي الجزائر ووهران تنشر لأول مرة، ونكتشف من خلالها شخصية الكاتب المتلهفة لرؤية الفتاة التي أحبّ وهو يزين خطاباته لها ببصمته الشهيرة المتمثلة برسم «الأمير الصغير»، أملاً بنيل إعجابها ولكن أيضا بسبب شخصيته الخجولة التي كانت تمنعه من التعبير عن عواطفه. الرسائل ورغم جماليات تعابيرها اتسمت بالحزن، لأن الحب كان من طرف واحد. أمر سرعان ما تنبه له الكاتب فبعث لحبيبته رسالته الثانية عشرة والأخيرة بتاريخ 26 يونيو 1944 معبرا عن يأسه: «اليوم أخذت قراري، لن يكون هناك أمير صغير لا اليوم، ولا غدا. الأمير الصغير مات... وداعاً». واختفى الكاتب بطائرته وللأبد أسابيع معدودة بعد هذا الخطاب الأخير وتحديدا في يوليو من سنة 1944.

ضم المعرض رسائل حب أخرى بعثتها المغنية الشهيرة إيديت بياف للملاكم مارسيل سردون وغيرها من غوستاف فلوبير إلى لويز كولي، ومن فولتير إلى ماري لويز دوني، إلى جانب أكثر من 250 رسالة أخرى كُتبت بيد مشاهير وظلت كشاهد حيّ على أحداث غيّرت مسار العالم. فنجد الوثيقة السّرية التي أعلن فيها الرئيس «أيزنهاور» لحلفائه الأوروبيين استسلام الجيوش النازية مختاراً لذلك العبارة الوجيزة التالية «مهمة جيوش الحلفاء نجحت على أكمل وجه يوم 7 مايو 1945». وهناك أيضا الأوراق الأصلية التي دوّن فيها ألبير أينشتاين وميشال بيسو حساباتهما التي أدت إلى اكتشاف نظرية الجاذبية، إضافة إلى أوراق شخصية للموسيقار موزار وضع عليها ألحانه، وكذلك الشهادة المكتوبة بيد السيدة التي نجت بأعجوبة من حادثة غرق التيتانيك سنة 1912 وسمحت بتكوين فكرة واضحة عما حدث في ذلك اليوم. ونجد رسائل مختلفة تبادلها فنانون وأدباء وسياسيون وحكّام مع أصدقائهم وعائلاتهم ككلود مونيه، كامي كلوديل، اندريه مارلو، سيمون دو بوفوار، بيكاسو، ماتيس وهي تُمكن القراء من استبيان الزوايا الخّفية في حياة عظماء الزمن الماضي، تماماً كما يقول فكتور هوغو: «هي دائما الرسائل التي يجب البحث فيها عن بصمة قلب الرجل وآثار حياته أكثر من كل المؤلفات التي أمكنه كتابتها خلال عمره».

التعليــقــــات
علي منصور الحايك، «المملكة العربية السعودية»، 13/05/2008
لا يعرف الحُب امبراطور ولا فنان ، ولافلاح ، الكل ضعيف أمام معشوقته . تأملت رسالة نابليون إلى زوجته ، مليئة بالعاطفة وكأنها ليست من ذاك الامبراطور الذي ملأت شهرته الأفاق .
مشكورة يا أخت أنيسة مخالدي على هذا المقال الثقافي الجميل كجمال الحُب .
مليكة لهواري، «فرنسا»، 14/05/2008
فكرة المقال رائعة، لماذا لم يجمع متحف عربي مثل هذه الرسائل؟
 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Terms of use
شروط الانتفاع
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2014 © H H Saudi Research and Marketing LTD, All Rights Reserved And subject to Terms of Use Agreement .
© جميع الحقوق محفوظة للشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق وتخضع لشروط وإتفاق الإستخدام