السبـت 23 صفـر 1429 هـ 1 مارس 2008 العدد 10686
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  







 

البيت اللبناني.. نتاج تمازج حضاري بين عدة شعوب

بدأ بالطين ثم القناطر فالقرميد

متحف سرسق في بيروت حيث يبدو نمط القناطر(تصوير جوزيف ابي رعد)
حي من بيوت القرميد
بيت من الحجر والطين
بيروت: مارون حداد
وصفت دراسة معمارية حديثة البيت اللبناني، أنه نتاج تمازج حضاري بين سكان المنطقة الأصليين، وشعوب المنطقة العربية والشعوب الأوروبية التي كان لها دور فيه في مرحلة ما من التاريخ.

وتناولت الدراسة التي أعدتها المعمارية اللبنانية سمر مكي حيدر، الأستاذة في معهد الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية، ابرز المراحل التي مر بها البيت اللبناني، فأشارت أولا إلى البيت الكنعاني الفينيقي الذي مر بثلاث مراحل، منها ما قبل الألف الثالث قبل الميلاد، وكان البيت فيها مستطيلا قليل العرض، حوائطه داعمة ومبنية من حجارة جمعت عشوائياً، قليلة الارتفاع منعاً للالتواء، يرتكز عليها سقف مؤلف من شرائح صخرية كبيرة.

المرحلة الثانية هي مرحلة ما بعد الألف الثالث قبل الميلاد، حيث ازداد ارتفاع الحوائط، وأصبحت مبنية من حجارة منتقاة بأشكال منتظمة إجمالا، وكانت واجهاتها الداخلية والخارجية تغطى أحيانا بالطين، واقتصر دورها على تحديد الفراغ الداخلي الذي بقي مستطيلاً وازدادت أبعاده. وزرع داخل هذا الفراغ عمود خشبي أو أكثر وفقاً للمساحة يحمل جسراً خشبياً رئيسياً تتعامد عليه جسور فرعية صغيرة، فطبقة من قصب مرصوف تعلوها أخرى من البلان (نبات بري شائك صلب)، تشكل مهداً لطبقة من الطين المرصوص. والنتيجة المهمة المستخلصة من هذا الإنشاء هو التوصل إلى مبدأ «المسطح الحر» باللغة المعمارية الحديثة، إذ ان السقف بات محمولاً على الأعمدة والجسور الخشبية بمعزل عن الحوائط التي بات ممكناً تحريكها في الداخل بحسب الرغبة والحاجة.

وفي المرحلة الثالثة حافظ المسطح على شكله المستطيل، لكن مساحته اتسعت، وأصبح يضم بهواً مركزياً يحيط به عدد من الغرف المتصلة بالخارج عبر نوافذ نظراً لاعتدال المناخ وجمال الطبيعة، اللذين يشدان السكان إلى الخارج، وهذا الاعتدال بالمناخ هو ما جعل اللبنانيين يبتعدون عن اختيار بيت الفناء الداخلي والمتميز بإطلالته على الداخل والمنتشر في تلك المرحلة بين بلاد ما بين النهرين وبلاد الإغريق. وقد استعمل في بناء الحوائط صخور مقصبة، ووضعت في الزوايا الحجارة الكبيرة الصلبة التي لم يستطع البناؤون العمل فيها فشكلت زوايا حاملة للسقف، ومن هنا لاح في أفق البيت اللبناني فكرة العمود الحجري.

وتنتقل الدراسة إلى «البيت العربي العباسي» فتشير إلى انه مع إطلالة القرن الثامن الميلادي، جاء العباسيون وشجعوا القبائل العربية على الهجرة إلى لبنان، بعدما كان الأمويون قد اتخذوا من مدينة «عنجر» في البقاع عاصمة صيفية لهم، فأعادوا استعمال الصحن الداخلي المكشوف، وادخلوا نظام القناطر ليحل مكان الأعمدة والجسور الخشبية الحاملة. ومع دخول العباسيين انتقلت قبيلتا التنوخيين والشهابيين وغيرهما إلى لبنان، ليتكون معهم البيت العربي العباسي ملائماً للشروط الاجتماعية العربية وللشروط البيئية اللبنانية. وتأثر هذا البيت أساساً بالتقليد الفارسي المتحدر من البيت الحيري (نسبة إلى الحيرة في العراق)، من حيث احتوائه على الإيوان الذي أصبح بالتحريف يعرف بالليوان، وهو عبارة عن غرفة مفتوحة على الخارج بشكل قبوة مهدية تتوسط غرفتين سكنيتين.

وفي الصيف يؤمّن الليوان فسحة منعشة لطيفة لسكان البيت، وفي الشتاء يتحول الى مدخل مسقوف يفضي الى الغرفتين السكنيتين. وقد حافظ البيت العباسي على الشكل المستطيل، غير أن فخامته وأهميته تنوعتا، فهناك البيت المتواضع ذو السقف الطيني، وهناك البيت الكبير للميسورين الذي تشكل من تقاطع مستطيلين متعامدين أمامهما صحن وسطي. والتطور النوعي البارز الذي حصل فيه هو دخول القبوات المهدية والعقود المصلبة التي حلت محل الجسور والأعمدة الخشبية في البيت القديم أو مكان القناطر في البيت الأموي.

وتتحدث الدراسة عن تطور ثالث حصل في البيت اللبناني تمثل بالتأثير المملوكي، حيث عاد الصحن الداخلي ليجد مكانه في البيت اللبناني ضمن إطار ما يسمى بـ «الخان».

والخان هو أكثر من مساحة سكنية فهو مجموعة من خلايا سكنية ومحال تطل على صحن داخلي، ويستدل من حجمه انه ليس معداً لعائلة واحدة.

وشاع هذا الطراز في لبنان وتجذر عميقاً في عمارته، وتحول الصحن الداخلي من فسحة خاصة في المسكن الروماني القديم إلى فسحة عامة فيه، وانبثق من هذا الطراز البيت الذي يتضمن رواقاً مسقوفاً على واجهته قناطر فبدا كأنه جزء من خان. وتفاعل هذا البيت مع العوامل المناخية اللبنانية، فحجب الشمس ضمن هذا الرواق عن المساحة المخصصة للاستعمال الصيفي، وأمن الحماية للأبواب والنوافذ من الأمطار.

وعن التأثير الغربي الأوروبي، تشير الدراسة إلى انه «مع قيام الإمارة المعنية في لبنان في القرن السادس عشر، انفتح لبنان على الحضارة الغربية الايطالية، فتأثرت عمارة البيت اللبناني بالفن المعماري التوسكاني، فعاد مسطح البيت يحضن بهواً داخلياً ينتهي بثلاث قناطر بدل القنطرة الواحدة الموجودة في مقدمة الليوان، واستمر هذا الطراز حتى القرن التاسع عشر، ومع وصول الأمير بشير الثاني الشهابي إلى سدة الحكم، أضيف على البيت ثكنة قرميد مستوردة من مرسيليا في فرنسا، وتأجلت صورة هذا البيت في مخيلة الناس حتى بات يرمز إلى البيت اللبناني».

وعن التطور الخامس المتمثل بالتأثير العثماني والكلاسيكية المحدثة (أو الباروك المتأخر)، تلفت الدراسة إلى انه «في نهاية القرن التاسع عشر، ومطلع القرن العشرين، وعلى خط مواز مع بيت القرميد، ظهرت عناصر زخرفية متأثرة بالمرحلة العثمانية المتأخرة من جهة، وبالكلاسيكية المحدثة على مستوى الواجهة من جهة أخرى من دون المساس الفعلي بالتأليف المسطح للبيت (إذ ان اتصال الطبقتين في المنزل الواحد أصبح بدرج داخلي من البهو المركزي، ولم يعد كما كان سابقاً بدرج خارجي من طبقة إلى أخرى)، لكن الفسحة الخارجية الداخلية، إذا صح التعبير، تحولت إلى مجال مشترك بين عدة كتل أشبه بالحوش. ولم يغب تأثير الانتداب الفرنسي في الربع الثاني من القرن العشرين عن البيت اللبناني، فتفيد الدراسة انه «مع التطور الاجتماعي البنيوي الذي أصاب المجتمع نتيجة الانفتاح على النظم الاجتماعية الاقتصادية الغربية، تولدت نزعة استقلالية لمختلف أفراد العائلة الواحدة تحت عنوان الخصوصية، فخف لقاؤهم في البهو، فانعكس هذا الحال تقلصاً فيه، وتحول عندئذ إلى مدخل بسيط يقوم بدور الموزع لمختلف وظائف المنزل.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Terms of use
شروط الانتفاع
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2014 © H H Saudi Research and Marketing LTD, All Rights Reserved And subject to Terms of Use Agreement .
© جميع الحقوق محفوظة للشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق وتخضع لشروط وإتفاق الإستخدام