السبـت 09 شـوال 1428 هـ 20 اكتوبر 2007 العدد 10553
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  







 

تركيا من أتاتورك الى أردوغان (الحلقة الأولى) ـ دولة واحدة .. وهويات متعددة

«الدولة الأبدية» في مهب رياح الشرق الأوسط .. والصراع بين العلمانيين والإسلاميين

تركيا في مهب رياح داخلية وأقليمية (« الشرق الأوسط»)
اسطنبول: منال لطفي
في تركيا دولة واحدة وهويات عديدة. أهل اسطنبول، غير أنقرة، غير قونيا، غير أزمير، غير ديار بكر، غير ماردين، غير بورصة، غير إزميت. لكل مدينة ومنطقة في هذه الدولة المعقدة جغرافيا وتاريخيا شخصيتها وهويتها، والكل فخور جدا بخصائصه. وإذا أردت أن تفهم الاتراك يجب أن تبدأ من مسلمة ان الاتراك شعب فخور جدا. ليس فخورا بإسلامه فقط وبحضارته فقط او بمعماره وتاريخه وفنه واقتصاده وديمقراطيته وانفتاحه الثقافي والاجتماعي وتوجهه نحو اوروبا فقط. هو فخور بكل هذه الاشياء دون ان يعطي لأي منها الأفضلية. اسطنبول هي «قلب» تركيا وعاصمة تاريخها كله، فهي كانت عاصمة الدولة العثمانية (1299- 1922)، وقبل ذلك كانت بتسميتها الأولى القسطنطينية عاصمة الامبراطورية البيزنطية. وهي حاليا عاصمة الاقتصاد والاعلام والسينما والفن والموسيقي والعمارة. والأتراك مختالون بها وهي مدينة مختالة بنفسها، وبموقعها الاستراتيجي النادر فهي تضع قدما في اسيا وقدما في أوروبا، ويقسمها مضيق البوسفور الذي يفصل البحر الأسود عن بحر مرمرة، وبالتالي أينما وليت وجهك ترى البحر في كل مكان.

مصطفى كمال أتاتورك، مؤسس تركيا وأبوها الروحي، من حبه لاسطنبول وخوفه عليها، قرر ان يحميها من محاولات القوى الكبرى للاستيلاء عليها، فاختار أنقرة عاصمة بدلا منها، وكان هو ومساعدوه في حال حزن عندما وضع امامه خريطة تركيا، ثم نظر ووضع خطا بالقلم عند أنقرة لتكون هي العاصمة الجديدة. أنقرة باتت «العقل»، العاصمة الرسمية ومركز الوزارات ومؤسسات الحكم. أما ديار بكر فتحولت من مجرد مدينة في جنوب شرقي تركيا الى «العاصمة السياسية للأكراد» في العالم. وعلى الشمال منها مدينة «تونسيلي» التي قصفت بالصواريخ على يد الجيش التركي عام 1938 من اجل قمع تمرد أهالي المدينة، ومنذ ذلك الحين أصبحت المدينة مركزا لليسار التركي، ومنها خرجت الحركات اليسارية بكل أشكالها وأطيافها، كما خرج منها أبرز الكتاب اليساريين في تركيا. على الجانب الاخر، مدينة أزمير، التي تعد رمزا للعلمانية والحياة على الطريقة الغربية والتحديث. واذا كانت هناك مدينة تركية واحدة يمكن ان تعبر عن «الاسلام المحافظ»، فإن قونيا هي هذه المدينة. فسمعة اهالي قونيا أنهم متدينيون حريصون على ممارسة شعائر دينهم. اما المدينة نفسها، فإنها مشهورة بكونها معقل نفوذ للحركات والأحزاب الاسلامية. في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، كانت المدينة معقل حركة نجم الدين أربكان زعيم حزب الرفاة وأول رئيس وزراء اسلامي في تاريخ تركيا. وفي السنوات الاخيرة، أثبتت قونيا مرة اخرى انها معقل للمحافظين، اذ ان 65% من سكانها صوتوا لصالح حزب العدالة والتنمية في الانتخابات البرلمانية في يوليو (تموز) الماضي. وهي مدينة مولانا جلال الدين الرومي الذي خرجت من افكاره التصوفية طريقة «المولوية» إحدى أهم الطرق الدينية في تركيا، والذي أثر في فهم الأتراك للإسلام كما لم يفعل احد من قبله او بعده، ففي منازل الاتراك ومتاجرهم ومؤسساتهم الخاصة ستجد دائما اشعار الرومي معلقة على أحد الحوائط، وأكثرها شعبية بيته الشعري الذي يلخص كل فلسفته في التسامح وقبول الآخر والاحتفال بالتنوع «تعالى.. تعالى.. بغض النظر عن من انت». الكثير من الاتراك عندما تتحدث اليهم يقولون لك: من غير الرومي لم يكن لتركيا بكل هذه الاعراق والطوائف والديانات ان تتعايش معا بكل هذا القدر من الانسجام. فبحكم امتداد الدولة العثمانية على 3 قارات، تتنوع أعراق تركيا بين الاتراك الذين يشكلون نحو 70% من السكان، والأكراد الذين يشكلون نحو 20% من السكان، والأرمن والتركمان والاشوريين واليونانيين والالبانيين والبوسنيين والبلغار والجورجيين والشركس والشيشان والعرب وغيرهم من الأعراق. ومع ان لكل مدينة تركية وإثنية أو عرق هوية خاصة بها، الا ان الجميع في النهاية أتراك. لكن الأتراك عندما يتحدثون عن أنفسهم لا يقولون إنهم أتراك بل «أهل الأناضول» أو «الاناضوليين». فالأناضول هي شبه الجزيرة الجبلية بغرب اسيا التي تشكل معظم اراضي الدولة التركية وتسمى «آسيا الصغرى»، وهي المركز الذي هاجر اليه الاتراك الأوائل وكونوا دولتهم. كان يكفي تركيا تركيبتها الجغرافية المعقدة والثرية والتي جلبت لها على مر التاريخ خيرات وويلات كثيرة. فهي تقع بين آسيا وأوروبا (97% من أراضيها في آسيا و3% في أوروبا). في جنوبها العراق وسورية والبحر المتوسط، وفي غربها بحر ايجة واليونان وبلغاريا، وفي شرقها جورجيا وإيران وأرمينيا وأذربيجان، وفي شمالها البحر الأسود، أي تحدها 8 دول، لكل دولة تأثيرها الاستراتيجي على تركيا بحسب المصالح والعلاقات، كما تحدها 3 بحار، من كل بحر يأتي أعداء وأصدقاء. كان يكفي تركيا التعامل مع خصوصية كونها ايضا موزعة الهوية بين اوروبا من جهة والاسلام والشرق من جهة اخرى. لكن تركيا الجمهورية التي ولدت من رحم الحرب والصراع الدولي للاستيلاء عليها خلال السنوات الاخيرة من عمر الدولة العثمانية اعتادت على الازمات. فلم يكن مفجعا ان تستيقظ خلال الاشهر الماضية على نزاع مفتوح بين العلمانيين والاسلاميين على هوية الجمهورية (مقترحات لبس الحجاب وتخصيص مساجد صغيرة في المؤسسات الحكومية للصلاة مثلا). كما لم يكن مفاجئا ان تجد نفسها في مواجهة مفتوحة داخليا (مع الاكراد) وخارجيا (مع اميركا والعراق والمجتمع الدولي) بسبب خططها للدخول الى شمال العراق لتصفية معاقل حزب العمال الكردستاني. هذه الازمات الداخلية والخارجية تجعل تركيا اليوم في مهب رياح الشرق الاوسط، ومهب اوروبا، ومهب اميركا ومهب اسيا. لكن لا يخشى الاتراك المواجهات، كما يعرفون مقدار تأثيرهم. وعندما يتعلق الأمر بالمصالح القومية التركية، لا ينتظر الأتراك سماع ما تريده او تفضله اميركا او غيرها من القوى الدولية او الاقليمية. المزاج اليوم في تركيا مزاج تحد ومواجهة، فهناك شعور بأن تركيا في وضع داخلي واقليمي ودولي صعب، وهي لن تقف متفرجة على احتمال انفصال أكراد العراق بدولة مستقلة مثلا، ولن تسمح بأن تظل قواعد حزب العمال الكردستاني موجودة في شمال العراق بدون تدخل عسكري اميركي او عراقي واضح للتصدي لهم. ولا يخشى الاتراك غضب اميركا. «نحن لا تهمنا اميركا. اذا قررنا الدخول لشمال العراق لمصالح تركيا العليا سنفعل هذا. الاتراك لا يهمهم استياء اميركا»، يقول أكرم دومانلي رئيس تحرير صحيفة «زمان» التركية لـ «الشرق الاوسط». ويتخوف الاتراك من ان في هذا المناخ الاقليمي المفتوح على كل الاحتمالات، بما في ذلك تحول ايران الى قوى عظمى في المنطقة اذا ما طورت اسلحة نووية «في هذه الحالة ستكون تركيا من الخاسرين الكبار، ان لم تكن الخاسر الأكبر»، كما قال لـ«الشرق الأوسط» سيرهات اركمين الباحث في معهد «اسام» التركي للأبحاث الاستراتيجية. وفي خضم هذه التطورات الاقليمية والدولية ينظر الأتراك للتاريخ طويلا، ويعطون اهتماما خاصا للطريقة الاستثنائية التي تطوروا بها كأمة وكدولة. ويقول المفكر التركي شريف ماردين لـ «الشرق الاوسط» في هذا الصدد: «عندما يفكر المرء في كل الظواهر في تركيا.. عليه ان يفكر في ماض صاغ خصوصية تركيا، وجعلها استثناء عما حولها». فمثلا مفهوم الدولة كان حاضرا لدى العثمانيين منذ القرن 13 إذ أن أنها سميت «دولت عالية عثمانية»، أما شعارها فكان «دولت أبد مدت» أي «الدولة الابدية». وبالتالي اذ يشعر الأتراك بخطر على مصالحهم لا يشعرون بخطر على وجودهم. فتاريخهم يحميهم، فأتراك تركيا اليوم تعود اصولهم الى العرق التركي الغزى او الاوغوز، وهؤلاء يعتبرون اجداد الأتراك الجنوب غربيين الذي يضم أتراك تركيا وقبرص والبلقان واليونان وبلغاريا وتركمانستان وايران، ويعتبر الأتراك الاوغز مؤسسو امبراطوريات كبيرة منها السلجوقية والعثمانية والصفوية. وقد اعتبرت الدولة العثمانية نفسها امتدادا للامبراطورية البيزنطية الرومانية. فعندما فتح محمد الفاتح القسطنطينية في 29 مايو (أيار) 1453 وسقطت الامبراطورية الرومانية، اعتبر محمد الفاتح الدولة العثمانية وثقافتها وتقاليدها مزيجا بين الاسلام وبين الثقافة الرومانية، وبالتالي تميزت الدولة العثمانية بتنوع عرقي ولغوي وديني كبير منذ بدايتها الاولى، كما تميزت بإعطاء الأقليات الدينية والعرقية حرية في تنظيم شؤونهم بعيدا عن التدخلات المركزية. ولمدة 6 قرون كانت الدولة العثمانية موزعة ثقافيا وسياسيا واقتصاديا بين الشرق والغرب. والمكون الغربي في ثقافتها اصيل وجزء حقيقي من تكوينها. وبينما لم يحتك العرب بالغرب الا بوصفهم مستعمرين، احتك الاتراك بالغرب لستة قرون بوصفهم حكاما لهم، ومن هنا شعور الاتراك بالفخر وشعورهم بالأهمية. فهم يعرفون ان دورهم وتأثيرهم في الشرق الأوسط مهم جدا للغرب ولاميركا، ومهم لدول المنطقة. كما يعرف الأتراك حجم الضغوط عليهم، «تركيا هي الدولة المهمة للغرب ولاميركا في الشرق الاوسط .. اذا خسروا تركيا، خسروا كل شيء»، كما قال نجم الدين اربكان, أبو الاسلام السياسي التركي لـ «الشرق الاوسط». وبالتالي تتجه أعين القوى الإقليمية والدولية الى تركيا اليوم. اما قرارات تركيا فتصنع في مدينتين تتقاسمان السلطة والنفوذ، فالقرارات السياسية تصدر من العاصمة الرسمية أنقرة. فيما القرارات الاقتصادية تصدر من اسطنبول, العاصمة الاقتصادية.

اسطنبول تنفتح على «ميدان تقسيم» الذي اسس عام 1928 للاحتفال بإقامة الجمهورية التركية، كما تنفتح على «مدرسة جلطة سراى» التاريخية، مدرسة النخبة منذ الدولة العثمانية وحتى اليوم. هي اذا مدينة القوى الاقتصادية والاعلامية والثقافية.

وفي وسط المدينة التاريخي جامع محمد الفاتح وآيا صوفيا والمسجد الأزرق. يحب الاتراك اسطنبول وأي تركي مولود في اسطنبول يبدأ اولا بعبارة «انا اسطنبولي». واسطنبول هي بابل العصرية، ففي «شارع استقلال» اكبر شوارعهــا تسمع عبــارات بالعربي والعبري والانجليزي والايطالي والاسباني والياباني والصيني والتركي والفارسي في الوقت نفسه. وعلى المحلات التجارية تجد لافتات صغيرة مكتوب عليها: لدينا متحدثين بالعربية، او متحدثين بالفرنسية او بالفارسية، ودائما بالعربي عبارة «لدينا مقاسات اكس لارج». «ميدان تقسيم» هو «شانزليزيه» اسطنبول فيه كل المحلات التجارية الراقية، والمكتبات والمقاهي والمطاعم والفنادق. وعندما تسير في الميدان، الذي لا يهدأ ولا ينام، تسمع الموسيقى من كل اتجاه، فالمحلات والمكتبات ترفع اصوات الموسيقى داخلها لجذب السائحين، بينما يقف دائما عدد من الشباب الذي ربما لم يعثر على عمل يعزف الموسيقى بالجيتار أو بالناي، ولن تعدم مشاهدة شباب يأخذهم الجذل يرقصون في الميدان. ولهذا يهرب الفنانون والكتاب والصحافيون والموسيقيون والرسامون الى اسطنبول. «هذه مدينة بوهيمية جميلة. يكفى الموسيقى، لن تجدي مكانا على الارض تصدح فيه كل هذه الموسيقى في وقت واحد»، تقول اديبة سوزان احدى نائبات حزب العدالة والتنمية في البرلمان التركي. وتوضح سوزان، التي كانت ترتدي سترة زرقاء أنيقة ولا ترتدي الحجاب، لـ «الشرق الاوسط»: «اسطنبول هي المدينة التي تعبر عن كل تركيا. الانفتاح والتاريخ جنبا الى جنب».

وتتميز اسطنبول بجدرانها البيزنطية وكنائسها التي تعود لفترة الامبراطورية الرومانية، كما تمتاز بمساجدها العثمانية وقصور السلاطين العثمانيين، وبناطحات السحاب التي بنيت حديثا، ففي المدينة عصور وأزمنة كثيرة تتعايش كلها جنبا الى جنب، وبالتالي الى جانب ناطحات السحاب، تجد المتسولين والكلاب والقطط الضالة بكثرة في شوارعها.

والمساجد القديمة في اسطنبول هي التي تعطيها مذاقها كعاصمة اسلامية، ففي الواقع لم تبن اي مساجد كبيرة في اسطنبول منذ الحرب العالمية الثانية، ويوجد في اسطنبول 2500 مسجد، اي بمعدل مسجد لكل 4 آلاف شخص. أما الكنائس الارذوكسية فهى كثيرة بسبب الوجود اليوناني والأرمني الذي تناقص خلال العقود الماضية من أكثر من 300 الف الى عدة آلاف فقط الآن. وبالنسبة للاتراك فإن اسطنبول هى المثال الذي يتطلع اليه باقي السكان، فيقال «أكل اسطنبول»، و«فاكهة اسطنبول»، و«أزياء اسطنبول»، و«محلات اسطنبول»، و«طريقة كلام اهالي اسطنبول»، حتى باتت كلمة «اسطنبولي» وصفا لكل ما هو جيد وراقي المستوى.

واسطنبول، أكبر المدن التركية، عدد سكانها يزيد على 14 مليون نسمة، وهذا العدد ربما لن يرتفع كثيرا خلال السنوات القليلة المقبلة، اذ ان الصناعات بدأت تنتقل من اسطنبول الى مدن أخرى، على رأسها ازمير. وهي عاصمة السينما والفن والمسارح والموسيقى والرواية والانتاج الثقافي الشعبوي والنخبوي، وعاصمة السياحة والاقتصاد. ففيها 13% من سكان تركيا، و21% من سكان الحضر، و11% من اليد العاملة، و30% من الاستثمارات الصناعية، و40% من حجم التجارة، و21% من الناتج القومي التركي. على الرغم من الجمال الطبيعي الذي تتميز به اسطنبول، إلا أنها مدينة قاسية، والحياة فيها صعبة على الطبقات الفقيرة والمتوسطة، فمتوسط الاسعار فيها يزيد بنحو 4 مرات عن متوسط الاسعار في أنقرة. والحياة الاجتماعية فيها غربية الطابع، فالناس تشتكي من انتشار مفاهيم الأنانية والفردية، وضعف الروابط العائلية، وارتفاع نسبة الجريمة ربما بسبب كونها ملتقى العمالة الوافدة من المدن التركية الفقيرة. ولذلك وبالرغم من كونها أكثر المدن كوزموبوليتانية، الا ان فيها «غيتوهات»، من الاكراد وباقي المهاجرين الذين يأتون اليها.

واحيانا يشتكي اهالى اسطنبول من ان أنقرة بسبب تمركز البيروقراطية والوزارات المختلفة فيها اخذت الكثير من حصة اسطنبول المالية، وأن هذا سبب الفقر في أحيائها والعشوائيات التي ما زال الكثير منها موجودا حتى الان بالرغم من كل المحاولات. فعندما تم اقرار انقرة كعاصمة عام 1923، كانت اسطنبول في حالة سيئة، وبنيتها التحتية متعبة ومرهقة من الحرب. وخلال حكم اتاتورك وبسبب الانهماك في حرب الاستقلال، ثم الانهماك في بناء الدولة التركية الحديثة لم تبن في اسطنبول الا منطقة سكنية حول المنطقة التي عاش فيه اتاتورك، بخلاف هذا ظلت المدينة كما بناها العثمانيون بكل بنيتها التحتية. وظل الوضع هكذا خلال الاربعينيات، فبسبب الحرب العالمية الثانية، لم يتم الانفاق على البنية التحتية، ولم تتغير اوضاع المدينة الا في الخمسينيات، عندما تزايدت هجرة الاتراك من القرى المختلفة الى اسطنبول، فاتسع حجم البناء والتعمير والمساكن العشوائية التي بناها المهاجرون والتي يطلق عليها «جيشكوندو» اي «أقيمت في الليل» لأن المهاجرين كانوا لابد ان يضعوا سقوفا على بيوتهم العشوائية خلال 48 ساعة، والا كان من حق السلطات المحلية ازالة هذه المباني بدون أمر قضائي. ولان السياسيين كانوا حريصين على أصوات المهاجرين في الانتخابات، فقد أحجموا عن هدم المباني العشوائية، وبدلا من ذلك مدوها بالمياه والكهرباء، وساعد انتشار مافيا الأراضي الذين كانوا يستولون على أراض تتبع للدولة ويبيعونها للمهاجرين على انتشار العشوائيات. وحاولت الحكومات العديدة في تركيا إيلاء اسطنبول الاهتمام المناسب، وكثيرا ما تردد ان عمدة اسطنبول السابق، ورئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، قال ان خدمة المدينة وسكانها «نوع من العبادة». لكن المدينة ايضا «كعب أخيل» البلد ونقطة ضعفه، فالعشوائيات كانت في السبعينات والثمانينيات سببا في الكثير من المشاكل السياسية والاجتماعية، وفي التسعينيات خرج منها اسلاميون متشددون وآخرون أكثر اعتدالا مثل اردوغان، لكنها تظل نقطة حساسة. في عام 1960 ارتفع عدد سكان المدينة الى مليون ونصف وقام عدنان مندريس باول تحسينات كبرى في اسطنبول، وتم بناء اول جسر على مضيق البوسفور والذي انتهى العمل منه 1973. ووصفت احزاب اليسار ساعتها بناء الجسر بأنه اهدار للمال العام، لكن الحقيقة هي أن الجسر أدي الى تنمية الجزء الأسيوي من اسطنبول والذي يعيش فيه ثلث سكان المدينة، وكان مهملا وفقيرا مقارنة بالجزء الذي يقع في الجانب الاوروبي. التحولات في اسطنبول التي بدأها مندريس اخذت دفعة خلال حكم تورغوت اوزال الذي انتخب رئيسا للوزراء عام 1983 وعمدة المدينة النشط آنذاك بدر الدين دالان الذي ازال كل ورش العمل من منطقة الخليج الذهبي على البوسفور، وبدأ مهمة تطهير المنطقة وتوسيع الساحل وبناء طرق جديدة على البوسفور، كما بنى جسرا ثانيا يربط بين ضفتيه. بعد دالان تم انتخاب نور الدين زوزان كعمدة، وبدأ العمل في مشروع مترو الانفاق. واسطنبول مدينة ملوثة بسبب عدد سكانها الكبير، الا انه في التسعينيات دخل الغاز الطبيعي الذي يأتي من روسيا عبر البلقان المدينة، مما أدى الى تحسين نظافتها، فهناك مليون ونصف المليون سيارة، ونصف مليون اتوبيس وشاحنة ودراجة بخارية تسير في الشوارع يوميا.

ويعتمد اقتصاد اسطنبول على الخدمات، فهي المركز الرئيسي للبنوك والشركات، وبسبب هذا تعد المدينة مركز جذب كبير للمهاجرين بشكل دائم او للمسافرين بشكل دوري، فمحطة الباصات الرئيسية في اسطنبول والتي تقع على الخليج الذهبي سجلت عام 2002 حوالي 80 الف مسافر في اليوم، فالباصات لا تربط اسطنبول بباقي المدن التركية، بل اسطنبول بالبلقان وروسيا وعدد من جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق واوروبا والشرق الاوسط. وتعد السياحة سببا اساسيا لكون اسطنبول مركزا للسفر، ففي صيف 2002 مثلا مر على اسطنبول 20 مليون مسافر. أما العاصمة أنقرة فهى تعيش على هاجس عبارة «اجمل شيء في أنقرة هو ان تخرج منها»، وهي عبارة للشاعر التركي يحيى كمال قالها معبرا عن شعوره حيال انقرة في السنوات الاولى بعد اختيارها عاصمة، ففي ذلك الوقت كان بها فندق واحد جيد هو «أنقرة بالاس» وكان بها مطعم واحد جيد هو كاربش، الذي كان جنود الحلفاء يأكلون فيه، وملهى ليلي واحد جيد هو «ثريا». اليوم في انقرة افضل فنادق الخمسة نجوم وافضل المطاعم بسبب وجود كل السفارات فيها، والمؤسسات الحكومية. لكن هناك اشياء لا يشتريها المال ومنها التاريخ، فمليارات الدولارات التي انفقت على انقرة من اجل بنائها وبناء بنيتها التحتية، جعلت منها مدينة حديثة نظيفة، لكنها ظلت مدينة بلا تاريخ طويل، وفي نظر الكثيرين بلا روح. ففي وسط انقرة ستقع عينك على ما يعتبره الاتراك واحدا من اهم معالمها التاريخية وهو مبني البرلمان القديم الذي اسسه اتاتورك وشهد اعلان الجمهورية 1923. في أنقرة مقر الحكومة ومقرات الوزارات، والبرلمان والجيش والسفارات الاجنبية ويزورها 10 الاف شخص كل يوم لانهاء معاملات مع الحكومة. لكن المجال الذي تتقدم فيه انقرة هو استضافة الجامعات. ففيها 6 جامعات 4 حكومية و2 خاصة وتضم 140 الف طالب جامعي اي 9% من الطلاب في تركيا ومن افضل الجامعات فيها جامعة «الشرق الاوسط التكنولوجية» وهي جامعة تستخدم اللغة الانجليزية، و«جامعة بيلكنت» الخاصة وأدى وجود طلاب الى زيادة المكتبات والمقاهي والمطاعم في منطقة كيزيلاي وينيشهر بوسط انقرة. في عام 1940 ومع اجراء اول تعداد سكاني كان عدد سكان انقرة 188 الفا، واعتقد هرمان جانسين المهندس الألماني الذي اختاره اتاتورك بنفسه للتخطيط لانقرة كعاصمة ان عدد سكان انقرة يمكن ان يرتفع الى 300 الف في غضون خمسين عاما لكن عام 1980 كان عدد سكان المدينة وصل الى مليونين و200 الف وبحلول عام 2000 وصل عدد السكان الى 3 ملايين و200 الف لتصبح ثاني اكبر مدينة في تركيا. وتعتمد انقرة على شبكة مواصلات من القطارات الحديثة التي تعمل وسط المدينة (انقري) والعربات واخيرا الجسور التي سهلت عدم اختناق الطرق، والمترو الذي يسير من غرب المدينة الى شرقها ومحطتة الاساسية بوسط انقرة في «كيزيلاي». ويحب اهالي انقرة ان يقال عنهم انهم اطيب واهدأ واكثر تحضرا من اهالي اسطنبول لكن أنقرة مملة ايضا. ويطبق الاتراك والاجانب عبارة: «اجمل شيء في انقرة هو ان تغادرها»، فما ان ينهي السياسيون والدبلوماسيون فترة خدمتهم، حتى يتوجهون الى اسطنبول رغم تلوثها وازدحامها. وللمفارقة، فإن تركيا اليوم التي تنقسم حول نفسها في الكثير من القضايا، يتفق ابناؤها سواء كانوا علمانيين او اسلاميين على أنهم جميعا «كماليون»، فالجميع يريد تركيا عضوا في الاتحاد الاوروبي. تركيا دولة عصرية حديثة، متسامحة، ومنفتحة على ماضيها وحاضرها، امة متعلمة، فالتعليم شيء مهم جدا لدى الاتراك, لكنهم يختلفون على كيفية تحقيق ذلك.

* غدا: خلافات الإسلاميين والعلمانيين

التعليــقــــات
Azadi REHA، «المملكة المتحدة»، 20/10/2007
ولو انها اعترفت بوجود شعوب اخری في تركيا، ولكنها نسيت او تناست ان تذكر ثقلهم وهمومهم ايضا. اولا: ان اسم تركيا هو ظلم لكل المكونات الاخری، دولة بحالها باسم شعب، وتنكر اسم ووجود الشعوب الأخری، كان الاجدر ان تسمی اناضول مثلا. ثانيا: جلال الدين الرومي ليس تركيا وانما توفي في تركيا، وترجمت اشعاره وهذا معلوم للجميع، وهو فارسي. ثالثا: الديمقراطية عرجاء، بل خداع، اذا لم تصاحب بالعدالة والمساوات للجميع. رابعا: مكتوب في ارجاء كثيرة في تركيا (كن تركيا لكي تكون سعيدا) اين التسامح في ذلك؟ فلا مناص من الانهيار الا بتغيير الدستور، وتغيير شعب واحد ولغة واحدة، الی شعوب ولغات، لكي تكتمل العدل ويتساوی الجميع، حين اذ تكتمل الصورة.
أحمد عاطف، «مصر»، 20/10/2007
مقال أكثر من ممتاز أمدنا بالكثير من المعلومات المفيدة عن دولة يجب أن ينتبه العرب دائما لوجودها لما لها من تأثير في المنطقة.
Mesoud Guli (كردستان)، «السويد»، 20/10/2007
ربما لايعلم الكثيرون بأن الأرض التي يعيش عليها الأتراك اليوم والتي يسمونها تركيا، هي ليست أرضهم وليست بلادهم، وليست لهم أية جذور تأريخية تربطهم بهذه الأرض أو بشعوب المنطقة. وإن الأمة التركية التي يتشدقون بها لم يكن لها أي وجود حتى منتصف القرن الثالث عشر الميلادي، لأنهم في الحقيقة قوم غزاة جاؤوا من منطقة خوارزم هربا من جيوش جنكيز خان التتري وسكنوا الى جوار دولة السلاجقة في آسيا الصغرى {تركيا الحالية} بعد أن إتصل قائدهم أرطغرل بالسلطان السلجوقي علاء الدين الذي وافق على قبولهم وخصص لسكناهم منطقة قريبة من أنقرة الحالية في حدود سنة 1252 ميلادية.
امير العراقي، «المملكة المتحدة»، 20/10/2007
الاخ ازادي تقول ان اسم تركيا هو ظلم لباقي المكونات وماذا عن اسم كردستان اليس هو ظلم ايضا لباقي المكونات التركمان والمسيحيين كفاكم تناقضات.
هاشم ابراهيم، «مصر»، 20/10/2007
تركيا هي امبراطورية عظيمة انهارت في بدايات القرن الماضي، والتي كان لها سطوتها وكلمتها المسموعة في العالم، وخاصة العالم الاسلامي، والتي مازالت حتى يومنا هذا تحتفظ بالكثير من الاثار الاسلامية، وبها اروع واعظم المساجد في العالم. للأسف الشديد لقد استطاع الغرب بان يهزم هذه الامبراطورية وتقسيم العالم الاسلامي الذي كان يخضع لها، وزرع فيها مؤامراته السياسية من تغير جذري في النظام الذي كان بها، حتى اللغة قد تغيرت من الحروف العربية إلى الحروف اللاتنية، ومازال حتى يومنا هذا الاستعمار يلعب بتركيا بل بالعالم الاسلامي كله، من خلاله قوته العسكرية والاقتصادية التي لم يستطع بان يقف امامها احد. ولكن مازالت رغم ذلك تركيا دولة سياحية جميلة وبها الكثير من الاماكن السياحية، والكثير من الخيرات الزراعية، ولكنها تفتقد الكثير من الحضارة المعاصرة التي تسعى من اجلها وان تصل إلى افضل المستويات المعيشية الممكنة.
ياد زيباري- لاهاي، «هولندا»، 20/10/2007
الى الاخ امير العراقي .الفرق بين الاكراد والترك هو ان الاكراد يسكنون هذه الاراضي التي تسمى كردستان منذ اكثر من 7000 سنة ولم يطردوا احداً منها ليسكنوا مكانهم اما الاتراك فيسكنون هذه الارض تركيا منذ 700 سنة فقط وقد دمروا بلاداً كثيرة وعذبوا وهجروا اقواماً من هذه الارض التي تسمى تركيا ولم يسلم العرب ايضاً من غزواتهم ألا تتذكر هولاكو؟ الى اليوم الاتراك يتفاخرون بهذا المجرم الذي دمر البلاد العربية. وانصحك ان تذهب او تطلب معلومات من غير المسلمين ومن الاكراد في كردستان ليرسلوا لك معلومات عن المسيحيين والتركمان كيف يعيشون بكل حرية وامان في كردستان لم يعيشوها في اي زمن آخر.
صالح سعد - الرياض، «الولايات المتحدة الامريكية»، 12/03/2008
تركيا الجميلة، لقد زرت هذه الدولة اكثر من مرة فهي دولة المفارقات وجمال الطبيعة وهي بلد الأثار والمتاحف وقصور سلاطين بنو عثمان، يا لروعتها يا لجمالها. شعبها طيب مبتسم وبشوش. لا يمكن ان اصفها .. اما السياسة فليس لي فيها نصيب واعتذر عن الكلام فيها ... تحياتي للجميع.
حيدر العراقي، «الولايات المتحدة الامريكية»، 15/03/2008
ان تركيا والأتراك لهم الحق ان يفتخروا بما حققوه من انجاز في حياتهم وامتهم ,اما زعيمهم الراحل اتاتورك فياليت كان للدول العربية شخص مثله ليخدم شعبه كما فعل اتاتورك .....على الاقل الان انا استطيع السفر من العراق الى تركيا لكن في نفس الوقت لا استطيع السفر الى كردستان لاني عراقي عربي ولست عراقيا كورديا مع العلم ان كوردستان هي في العراق..فمن هو العنصري؟
 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Terms of use
شروط الانتفاع
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2014 © H H Saudi Research and Marketing LTD, All Rights Reserved And subject to Terms of Use Agreement .
© جميع الحقوق محفوظة للشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق وتخضع لشروط وإتفاق الإستخدام