كيف غيرت 11 سبتمبر حياة الأميركي العادي: تزايد الاهتمام بالشؤون الدولية والقبول جزئيا بتقييد الحريات لصالح الأمن
 ما هي التغيرات الاساسية التي أحدثتها هجمات 11 سبتمبر (ايلول) على المجتمع الاميركي خلال السنوات الثلاث الماضية؟ بداية، يمكن ملاحظة ان معظم الاميركيين كانوا موافقين على السياسات التي اتخذتها ادارة الرئيس جورج بوش مباشرة بعد الهجمات، اذ بلغت نسبة التأييد الشعبي للرئيس في تلك الفترة، نسبة غير مسبوقة وصلت الى 91%، وهي نسبة لم يحصل عليها رئيس اميركي منذ الحرب العالمية الثانية، طبقا لاستطلاع اجراه معهد «غالوب» لاستطلاعات الرأي، لكن ذلك التأييد بدأ يتناقص تدريجياً. ومعروف ان اهتمامات المواطن الاميركي العادي تتركز حول دائرة محدودة من القضايا، مثل: الحصول على راتب كاف له ولعائلته، والاهتمام بسعر وقود السيارات، وكيفية شراء بيت، وشراء سيارة ثانية للاسرة، واين يمكن قضاء العطلة السنوية المقبلة، والتفكير في ادخار بعض المال من اجل دراسة الابناء، والتفكير في ما اذا كانت امواله تكفيه للتقاعد المبكر. لكن منذ وقوع هجمات سبتمبر وسقوط نحو 3 آلاف قتيل، اصبح الاميركيون العاديون يهتمون بقضايا لم يكونوا يهتمون بها سابقاً. فقد اصبحت قضايا الامن والسياسة الخارجية تمثل اهمية اكبر نسبياً، من الاهتمام بالحياة الرغدة. وقد انتهجت ادارة بوش طريقتين في كيفية الحفاظ على الامن بعد هجمات سبتمبر: الاولى تتعلق بتأمين الامن داخلياً، والثانية تتعلق بتأمين المصالح الاميركية في الخارج، وشن الحرب على «الارهابيين» في الخارج قبل احتمال توجيههم ضربات اخرى داخل اميركا، ولذلك بدأ المواطنون الاميركيون يهتمون بقضايا لم يكونوا يهتمون بها كثيرا في السابق مثل: قبل احداث 11 سبتمبر، كان من الصعب ملاحظة اي اهتمام من قبل المواطنين الاميركيين بالشؤون الدولية، اما الآن وطبقا لاستطلاع اجراه معهد «بيو» لاستطلاعات الرأي العام الشهر الماضي، فان مشكلات الامن القومي والسياسة الخارجية صارت تتصدر مكانة اكثر اهمية من قضايا الاقتصاد مثل الضرائب والرعاية الصحية والتأمينات واسعار وقود السيارات ومعدلات البطالة، وهذا للمرة الاولى منذ فترة حرب فيتنام. ويلاحظ الآن ان القضايا الخارجية تحتل مكانة كبيرة لدى الناخبين وهم يستعدون لاختيار رئيسهم في الرابع من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فقد عبر 41% من الاميركيين، الذين شاركوا في الاستطلاع ان قضايا السياسة الخارجية هي اهم شيء لديهم، في ما يتعلق بالانتخابات القادمة، في حين قال 26% ان القضايا الاقتصادية هي الاهم. وجعلت احداث 11 سبتمبر وما تلاها من حربي افغانستان والعراق، المواطنيين الاميركيين يتابعون اداء قواتهم المسلحة. ودفعت تلك الاحداث ايضاً، الاميركيين للاهتمام بشؤون العالمين العربي والاسلامي. ومن ناحية اخرى تزايد اهتمام طلبة الدراسات الجامعية والدراسات العليا، ببرامج العلاقات الدولية والعلوم السياسية والتخصص في شؤون الشرق الأوسط. وهذه المرة الاولى التي تبرز فيه هذه الظاهرة مجدداً منذ سقوط الانظمة الشيوعية في اواخر الثمانينات. تقول كاثلين بارتون، من مدينة سانت بول بولاية مينيسوتا: «لقد اصبحت اهتم بالسياسة الخارجية. قبل ذلك كنت اعتبرها مهمة، لكنني لم اهتم بها. كنت اشعر ان القضايا الخارجية بعيدة عن حياتي اليومية، اما اليوم فان الامر اختلف واصبحت السياسة الخارجية جزءاً من حياتي. يجب علينا كأميركيين ان نعمل لتحسين سياساتنا الخارجية». اما ستيف كوفاكس، من مدينة برايور لاك في ولاية مينيسوتا فيقول: «ان 11 سبتمبر لم تغير حياتي اليومية، لكنها غيرت بصورة كبيرة طريقة نظري للعالم. حكومتنا تتخذ خطوات مهمة لحمايتنا من الاعداء، وأرى ان علينا جميعا ان نقدم تضحيات. انا شخصيا مستعد لتقديم ما يطلب مني». اتضح من خلال استطلاع معهد «بيو» ان غالبية الاميركيين يؤيدون مبدأ «الضربات الاستباقية» الذي تبناه الرئيس بوش مباشرة بعد هجمات سبتمبر، والقاضي بتوجيه ضربات لمن يتوقع تشكيلهم تهديداً للولايات المتحدة قبل تمكنهم من شن هجمات ضد مصالح اميركية. فقد بلغت نسبة المؤيدين 67% في مايو (ايار) 2001، ونسبة 63% في اغسطس (آب) 2003، و60% في يوليو (تموز) 2004. وفي هذا الاطار، تحاول الادارة الاميركية منذ 11 سبتمبر، ان تقنع المواطنين الاميركيين بان الحرب على العراق كانت عملاً مشروعاً في ضوء وجود علاقات مفترضة بين نظام صدام حسين وتنظيم «القاعدة»، ومتذرعة باحتمال ان يزود صدام حسين «القاعدة» باسلحة دمار شامل، الا ان التطورات اللاحقة وبينها تزايد عدد الضحايا الاميركيين في العراق وعدم العثور على اي اسلحة دمار في هذا البلد، اثرت على تأييد الاميركيين للحرب. ورغم افتخار الاميركيين بالحريات المدنية والدستور الاميركي الذي يحمي تلك الحريات، فإن احداث 11 سبتمبر وما تلاها من عمليات ارهابية في العديد من دول العالم، والتخوف من تعرض الولايات المتحدة الى هجوم آخر، فان المواطن الاميركي اصبح اكثر قبولاً بتغيير للقوانين حتى تتماشى مع الوضع الجديد. وتقول كيري اسندسون، من كافييرا بولاية كاليفورنيا: «ان حياتي العملية تغيرت كثيرا، فانا اخضع لتحريات دورية امنية، وتفتيش سيارتي يومياً باستخدام كلاب متدربة للبحث عن قنابل. سأدعم حكومتي بأي وسيلة ممكنة للدفاع عن حياتنا من هؤلاء الارهابيين». وقد تبنت الادارة اجراءات، رآها البعض تعسفية وعنصرية وغير دستورية، خصوصاً ضد الزوار والمقيمين من العرب والمسلمين، واصدرت «القانون الوطني»، وأنشأت وزارة للامن الداخلي. ورغم الجدل الذي اثارته تلك الاجراءات، فان غالبية الاميركيين بدوا مؤيدين لها، في ضوء محاولات الادارة اقناعهم ان تلك الخطوات ضرورية لمواجهة المخاطر الارهابية. ويشير آخر استطلاعات للرأي اجراه معهد «بيو» الى ان 49% من الاميركيين لا يرون ان الحكومة الاميركية قامت بما يكفي لحمايتهم من الارهاب، في حين يرى 29% فقط، ان الادارة الاميركية ذهبت بعيدا وتعدت على الحقوق المدنية باتخاذها الاجراءات الجديدة، الا ان ناقوس الخطر الحقيقي يتمثل في قبول 43% استعمال التعذيب وسيلة لجمع المعلومات اذا كانت تلك المعلومات ستمنع وقوع اعمال ارهابية. ولدى سؤال عينة من الاميركيين حول ما اذا كانوا يعتقدون ان بلادهم اصبحت اكثر اماناً بعد ثلاث سنوات على هجمات سبتمبر، اجابت غالبيتهم (61%) انهم يشعرون بامان اكثر، وذلك طبقاً لاستطلاع حديث اجراه معهد انينبيرغ بولاية بنسلفانيا. ويرى 16% من الاميركيين ان حياتهم اصبحت اكثر امانا بصورة كبيرة، و55% يعتقدون ان حياتهم اصبحت اكثر امانا الى حد ما، في حين يرى 10% فقط انهم اقل امانا الان مقارنة بما قبل 11 سبتمبر. وربما يعود هذا التباين في النسب الى ما يدلي به المسؤولون حول تقييم الحرب ضد الارهاب. وكان الرئيس بوش قد اقر الاسبوع الماضي بصعوبة الانتصار في الحرب ضد الارهاب. |