أميركا بعد ثلاث سنوات : ذكرى المأساة تخيم على الجميع وسط دعوات لاستمرار الانتقام.. وأخرى للسلام
 كان من المفترض أن يكون مؤتمر الحزب الجمهوري الذي عقد مطلع هذا الشهر لقاء حول قضايا المستقبل الاميركي وترشيح سياسي ليتنافس على رئاسة الولايات المتحدة، جريا على عادة المؤتمرات الحزبية الأميركية، ولكن المؤتمر تحول إلى مناسبة لتذكر يوم يقول الاميركيون إنه لن ينسوه أبدا... يوم 11 سبتمبر (آيلول ) 2001. وعلى خلفية الذكرى التي تخيم على الجميع، يبحث الكل عن مراده ويغني على ليلاه، كما يقول المثل العربي. ومن هؤلاء من يحاول توظيف الأحداث لأهداف سياسية، وآخرون يدعون إلى التسامح، وفريق ثالث يبحث عن مصالح داخلية. ولم يكن المؤتمر الحزبي الكبير، الذي يعتبر هو الأول بعد هجمات 11 سبتمبر، فقط هو الذي تغير بسبب ذلك اليوم بل ربما تغير مسار الانتخابات الاميركية الحالية، اذ نجح الحزب الجمهوري الحاكم بقيادة الرئيس جورج بوش ونائبه ديك تشيني في فرض فكرة الأمن القومي والسياسة الخارجية الاميركية على أنها المحدد الرئيسي، إن لم يكن الأوحد، في الحملة الانتخابية الحالية، وهو ما دحض محاولات منافس بوش السيناتور الديمقراطي جون كيري في جعل الاقتصاد والوظائف والاجندة الداخلية الموضوعات الرئيسية التي تهم الاميركيين في الانتخابات. فبدءا من اختيار المكان، وهو نيويورك، ركز الحزب الحاكم على استثارة موضوع الأمن القومي لدى الناخب الاميركي وتفسير كل قرارات الادارة بأحداث 11 سبتمبر. فنيويورك مدينة ديمقراطية تاريخيا، ونادرا ما صوتت لصالح الحزب الجمهوري اليميني الذي ينتمي اليه بوش، الا ان الرئيس الاميركي اراد ان يذكر ناخبيه بمجهوداته في طمأنة مدينة نيويورك بعد انهيار برجي مركز التجارة العالمي، اللذين كانا من اكبر معالم المدينة الضخمة، وتذكيرهم بمواقف ادارته الى جوار رجال المطافئ وعمال الانقاذ والمساعدات المدنية. واستمرارا لمسلسل استغلال أحداث 11 سبتمبر، صرح نائب الرئيس، ديك تشيني، هذا الاسبوع بأن معنى اختيار جون كيري ليكون رئيسا لاميركا هو التعرض الحتمي لهجمات أخرى. وتعمل الادارة على احياء ذكرى سبتمبر بشكل دراماتيكي وفي اماكن شعبية كبيرة، اذ قرر وزير الدفاع دونالد رامسفيلد ان يقوم بوضع اكليل من الزهور على مقبرة أرلنغتون القريبة من البنتاغون في العاصمة الاميركية واشنطن صباح اليوم الموافق 11 سبتمبر، تخليدا لذكرى 184 شخصا ماتوا في البنتاغون نتيجة تفجير الطائرة رقم 77 في هذا المبنى قبل ثلاثة اعوام، وان يشمل الموقف دقيقة حداد على القتلى. وقرر رامسفيلد ان يقود غناء النشيد الوطني الاميركي قبل بدء سباق «ناسكار» للسيارات الذي له شعبية كبيرة، في مدينة رتشموند بولاية فرجينيا ويقف أيضا دقيقة حداد بمناسبة الاحداث في نفس اليوم. ويرى جمهوريون بارزون آخرون، تماما مثل الادارة، ان خير طريق لتذكر احداث سبتمبر هو «الاستمرار في القتال». فقال عضو الكونغرس للاغلبية الجمهورية روي بلنت: «ان خير اسهام واحترام لقتلى 11 سبتمبر هو ألا ننسى وألا نتوقف وأن نستمر في القتال حتى نفوز في الحرب على الإرهاب». وقال رئيس مجلس النواب الاميركي دينيس هاستيرت بهذه المناسبة اننا «في حرب يجب ان نكسبها ولا بديل عن ذلك. هذه الحرب لم تنته ولكننا نكسب فيها الآن.. والارهابيون لا يديرون اللعبة وفق مبادئ الأدب والأخلاق. وليس لنا خيار الآن سوى ان نوقفهم قبل ان يضربونا مرة ثانية». وليست الحكومة أو السياسيون هم من يستغل احداث سبتمبر الآن في اميركا حيث تستغلها أيضا جماعات محلية ذات أجندة داخلية. فقد نشرت جماعة مضادة لحمل السلاح في اميركا صورة كبيرة لاسامة بن لادن على صفحة كاملة من جريدة «الواشنطن بوست» صباح أمس وفي اعلاها عبارة قال الاعلان انها من كتاب التدريبات لتنظيم «القاعدة» تقول انه من الممكن شراء سلاح في اميركا، وانه يجب على اعضاء القاعدة في اميركا شراء بنادق لسهولة ذلك هنا. ثم يذهب الاعلان الى تحذير الاميركيين من ان أي قوانين تسمح بامتلاك السلاح سوف تخدم القاعدة وتعمل على تكرار 11 سبتمبر. ويتوجه الاعلان إلى جماعة «برادي ضد عنف الاسلحة» بقوله «ان ارهابيي 11 سبتمبر ينتظرون يوم 13 سبتمبر»، وهو يوم من المقرر ان يلغي فيه بوش الحظر على شراء البنادق شبه العسكرية. وتستغل إدارة بوش أحداث 11 سبتمبر أيضا في تبرير استمرار غزوها للعراق، وان كان ذلك يتم بشكل غير صريح. وقال شيلدون رامبتون مؤلف كتاب «اسلحة الخداع الشامل» الذي ينتقد فيه لجوء إدارة بوش إلى استخدام أحداث سبتمبر بشكل متكرر لمحاولة الربط بين العراق والهجمات على أميركا: «كجزء من حملتها حاولت ادارة بوش عن قصد ان تربط بين تنظيم القاعدة والعراق، وان طبيعة هذا الخداع تتضح من ان مسؤولي البيت الابيض كانوا يشيرون باستمرار الى وجود هذه العلاقة بينما تفادوا قول ذلك بشكل مباشر. ونتيجة تلك الحملة والتلمحيات تظهر في بيانات استطلاعات الرأي والتي تظهر بشكل ثابت ان معظم الاميركيين يعتقدون أن صدام حسين كان متورطا بشكل شخصي في احداث 11 سبتمبر». وقال بوب ماكايفاين، وهو عضو في جمعية «غدا اكثر سلاما» وهي مجموعة من اقارب ضحايا سبتمبر: «بما ان لجنة التحقيق في 11 سبتمبر قد نفت اي علاقة بين القاعدة وصدام حسين، فاننا نسأل متى سيقوم البيت الابيض بالاعتذار للشعب الاميركي لاصراره على التلميح بوجود تلك العلاقة؟ وبما ان ارواحا كثيرة قد أزهقت في حرب بنيت على فكرة ان العراق هو «خط مواجهة» في الحرب على الارهاب، فانه يجب الاعتذار عن تلك التلميحات». وقالت ميغ بارتلت من جمعية للخدمات الطبية وهي جمعية من الذين ساهموا في عمليات الإنقاذ يوم 11 سبتمبر وما بعده: «اننا لا نرغب في مشاهدة تجاربنا وهي تستخدم للترويج لمزيد من العنف. يجب ألا يرى اي شخص ما رأيته.. اذا كانت وظيفتنا هي المساعدة على الحياة فاننا لا نوافق على دعم العنف ضد أي احد». ويقيم الكثير من الاميركيين احتفالات تذكارية بهذا اليوم في اماكن عديدة، منها ما يشجع على استمرار الحروب الاميركية باسم 11 سبتمبر، ومنها ما ينتقد مزيدا من العنف الاميركي، اذ اعلنت جماعات مسيحية انها ستؤدي الصلوات في هذا اليوم وإعلان هذا اليوم «يوما عالميا من اجل الصلاة حتى يحل السلام» وطالبت آخرين من ديانات اخرى بالمشاركة في هذا الاحتفال التذكاري. واصدرت هذه الجماعات اعلانات في جريدة «الواشنطن بوست» ومجلة «تايم» تخليدا لذكرى 11 سبتمبر. وبإعلان صورة للصلاة المسيحية ويد معقودة في شكل الرقم 11 وتحتها عبارة تقول «يوم يمكن ان نصلي كلنا فيه من اجل السلام». |